مسلم: «إن من الكبائر شتم الرجل (أو المرأة) والديه»، ومن ذلك: «أن يسبّ الرجل (أو المرأة) أبا الرجل، فيسبّ أباه، ويسبّ أمه فيسبّ أمه». وفي الحديث، لمّا سأل الرجل النبيّ صلى الله عليه وسلم: من أحقّ الناس بحسن صحابتى؟ قال: «أمّك» قال: ثم من؟ قال: «ثم أمك»؟، قال: ثم من؟ قال: «ثم أمّك»، قال: ثم من؟ قال: «ثم أبوك»، وهذا دليل على أن المحبة للأم، والشفقة عليها، ينبغي أن تكون ثلاثة أمثال محبة الأب، لأنه صلى الله عليه وسلم ذكرها ثلاث مرات، وذكر الأب مرة واحدة، فكأن جهد الأم في تنشئة ابنها ثلاث مرات جهد الأب، فهي التي حملت تسعة أشهر، وعانت مشقة الوضع، ومشقة الرضاع، ومشقة التربية، فهذه ثلاثة أمور تنفرد بها الأم دون الأب، ثم بعد ذلك تتشارك والأب، وعلماء النفس على القول بأن للأم ثلاثة أرباع البرّ، وللأب الربع. ومن الإحسان إليهما ألا يجاهد الابن إلا بإذنهما، وفي قوانين التجنيد في مصر يعفى الابن الوحيد لرعاية أبويه المسنين. ولمّا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم، أن يصحبه للجهاد، قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أحييّ والداك؟» قال: نعم. قال: «ففيهما فجاهد»، قال: لقد تركتهما يبكيان! قال: «اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما»، وفي رواية قال: «نومك مع أبويك على فراشهما، يضاحكانك ويلاعبانك، أفضل لك من الجهاد معى»، وفي الحديث: «من أبرّ البرّ: صلة الرجل أهل ودّ أبيه بعد أن يولّى» وسأله أحدهم: هل بقى من برّ الوالدين بعد موتهما شيء أبرّهما به؟ قال: «نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحمن التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهذا الذي بقى عليك».وخصّ الله تعالى حالة الكبر في قوله: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ) (الإسراء 24)، لأنها الحالة التي يحتاجان فيها إلى برّه، لتغيّر الحال عليهما بالضعف، فألزم هذه الحالة بالمراعاة أكثر مما ألزمه من قبل. وفي الكبر يكون الوالدان كلّا على ابنهما، فيحتاجان أن يلى منهما في الكبر ما كان يحتاجه في الصغر، وأمره أن يقول لهما ما فيه الإكرام بهما، فقال: (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلاً كَرِيماً) (الإسراء 23) وسمع النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه»، فقيل له: من يا رسول الله؟ قال: «من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة.» ومعنى (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ) (الإسراء 23) لا تظهر لهما أدنى تبرّم، والأفّ الكلام القذر الردئ، فلو رأى منهما في حال المشيخ الغائط والبول اللذين رأياهما منه في الصغر، فلا يقذّرهما ويقل أفّ. والأف والتّفّ: كلاهما الشيء المستقذر، ولو علم الله شيئا أردأ من «أف» لذكره، وصارت قولة: «أفّ» بمعنى الشيء الأردأ، لأن فيها كفر النعمة التي أنعم الله عليه وعليهما بها، وهي نعمة البنوة
517