تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سلبية، ولا تعوق الجسم من امتصاصها، ولا تمنع من الاستفادة من كافة ما فيها، والإعجاز أن يستطيع الجسم أن يصنع طعاما هو اللبن يناسب الإنسان والحيوان، ويحوى كل العناصر الغذائية اللازمة، والإعجاز الأعظم في اللبن أن تتواجد فيه هذه العناصر بنسب محسوبة دقيقة، تخلق بينها توازنا مثاليا، يشجّع على امتصاصها في الجسم ويخلق فيما بينها تداخلا إيجابيا، يستحيل أن يوجد مثله في أية أغذية حيوانية أو نباتية أخرى، وبذلك يكون اللبن «معجزة غذائية» بكل المقاييس العلمية. ثم إن وجود هذه العناصر في حالة ذائبة ممتزجة في محلول واحد، يشكل إعجازا علميا آخر، لأن كل العناصر الغذائية لا تقبل الامتزاج في محلول واحد، ولا يمكن علميا تخليق محلول غذائي يشمل كل العناصر الغذائية دون ترسيب جزء منها، إلا في اللبن وهو المحلول الوحيد الذي يتضمن كل أنواع وصور المحاليل المعروفة الذائبة، والغروية، والدهنية المستحلبة، والسكرية، والبروتينية، والعناصر المعدنية والفيتامينات المختلفة، وكل من هذه المواد له صفاته وأنظمته المستقلة، وبعضها من صفاته الذوبان، وبعضها لا يذوب، وبعضها لا يتفق مع غيره ولا ينسجم ولا يمتزج في حالة خلطه. ونظام تركيب اللبن لذلك من أعقد الأنظمة، وهو المزيج الوحيد الذي يتميّز بهذا التآلف الفريد، والانسجام المعجز، ومن صور إعجازه أنه متغيّر التركيب وليس ثابتا، فمكوناته تتغير خلال فصول السنة، متوافقة مع حاجات الرضيع من الإنسان أو الحيوان، وهي حاجات تختلف في الصيف عنها في الشتاء، ففي الشتاء تزداد نسبة الدهون في اللبن حيث يحتاج الكائن الرضيع إلى نسبة من الدهون أكبر، عنه في الصيف الذي تزداد فيه الحاجة إلى نسبة بروتين وأملاح معدنية أكبر، وبذلك يكون اللبن غذاء مثاليا للصيف والشتاء، وهذا التغير في المكونات بحسب المناخ واختلاف الفصول هو إعجاز لا يمكن أن يكون تنظيمه وبرمجته وإنتاجه إلا بتدبير إله عظيم، وينفرد الإنسان بأنه المخلوق الوحيد الذي يحتاج للبن طوال مراحل عمره كلها فيناسب حاجاته كغذاء دائم. وسبحانه ربّ العزة تعالى عمّا يشركون، لا علم لنا إلا ما علمنا، وقد سبق القرآن ونبّهنا إلى آية اللبن قبل الكشوف الحديثة التي أثبتت صدقه، فكان ذلك دليلا على أنه كتاب من عند الله، والحمد لله ربّ العالمين.

* * *

1417 - الخلق قبل التصوير

الخلق هو الاختراع والإيجاد بعد العدم، وينسب لله تعالى، وقد يقال للإنسان خلق عند إنشائه شيئا، وفي الآية: (وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ) (الأعراف): أن الخلق يأتي أولا، فتكون النطفة، ثم يصورنا خلقا آخر. وهناك النظرية الأخرى في القرآن: أن الخلق كان

513

موسوعة القرآن العظيم · الصفحة ١٧٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة القرآن العظيمص ١٧٩٤