إلى زعانف، واكتفت الآية بذكر ما يمشى على أربع على ذكر ما يمشى على أكثر من ذلك، لأن جميع الحيوان إنما اعتماده على أربع، والأربع قوام مشيه وحركته، وما زاد على ذلك كما في الحشرات ليس من باب الإضافة التي لا داعى لها، فنبّه بالاختلاف إلى ثبوت الصانع، فلولا أن للجميع صانعا واحدا لما اختلفوا بل كانوا من جنس واحد، وعلى الهيئة الواحدة، ولكنه يخلق ما يشاء، على أية صورة يشاء، وفي ذلك دليل على طلاقة قدرته.
* * *
1413 - الزراعة من أعلى الحرف
في الآية: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) (261) (البقرة) دليل على أن اتخاذ الفلاحة والزراعة حرفة من أعلى الحرف التي يمكن أن يمتهنها إنسان، ولذلك ضرب بها هذا المثل، وفي الحديث الصحيح: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة»، وعن عائشة قال: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض» يعني في الزرع.
* * *
1414 - التين والزيتون آيتان
أقسم الله تعالى بالتين والزيتون، فقال: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (1) (التين) فكان قسمه بهما عظيما، ودلّ على أنه قد أقسم بعظيمين. و «التين» جاء مرة واحدة في القرآن، وأما «الزيتون» فجاء عنه أربع عشرة مرة، وقال تعالى في شجرة الزيتون: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) (20) (المؤمنون)، وقال: (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ) (35) (النور)، وهي مباركة كشجرة التين، لقلة تعاهدها بالسقى والحفر والعزق والفلاحة، وغير ذلك من المراعاة التي تكون للأشجار، وتصلح لهما الأراضى الرملية ويجودا فيها؛ ويستخرج من شجرة الزيتون زيت الزيتون، وهو أغلى الزيوت وأنفعها وأرقاها، وتنبّه الآية إلى أن نعمة هذا الزيت من أفاضل النعم التي لا غنى للصحة عنها، وسمّى الزيت «صبغا» لأنه يصبغ به الأكل، أي يطيّب، وفي الحديث: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة» أخرجه الترمذى. وقيل إن أول شجرة نبتت في الأرض بعد الطوفان كانت شجرة الزيتون. ولمّا ضرب الله تعالى المثل بنوره، شبّهه بنور مصباح يوقد بزيت الشجرة المباركة التي هي شجرة الزيتون، لأنه زيتها صاف رائق مطهّر، ويسمونه في الاصطلاح الآن «الزيت البكر»، وكان العرب يطلقون عليه اسم «الزيت الطيّب»، وثمره من أشهى
510