إن هذا لهو الفوز العظيم (الصافات 55/ 62)، وإنه لفوز عظيم أن تكون لهم الجنات والنعيم (الطور 17)، والعيون الجارية (الرحمن 46)، والنضّاخة (الرحمن 66)، والفواكه الكثيرة، لا مقطوعة ولا ممنوعة (الواقعة 32، 33)، قطوفها دانية (الحاقة 23)، يتخيّرون منها (الواقعة 26)، ولحم طير مما يشتهون (الواقعة 21)، ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، يقولون ربّنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا (التحريم 8)، وتطمئن نفوسهم (الفجر 27)، ويعيشون في النعيم (المطففين 22)، وتبدو عليهم النعمة (الغاشية 8) وفي وجوههم النضرة (المطففين 24)، يسقون من رحيق مختوم، ختامه مسك، ومزاجه من تسنيم (المطففين 25/ 27)، ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب قواريرا، ويسقون كئوسا مزاجها زنجبيل، من عين تسمى سلسبيل، وثيابهم سندس خضر، وحلّوا الأساور من فضة (الإنسان 15، 21)، وخصّوا المتقون بالكواعب الأتراب، والكأس الدهاق (النبأ 33/ 34)، وأصحاب اليمين لهم السدر المخضود، والطلح المنضود، والظل الممدود، والماء المسكوب، والفاكهة الكثيرة، والأبكار العرب الأتراب (الواقعة 27/ 37)، وللمقرّبين الرّوح والرّيحان، يتكئون على السرر الموضونة، ويطوف عليهم ولدان مخلّدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا يصدعون عنها ولا ينزفون (الواقعة 11/ 19).فهذه بعض المشاهد التي يحياها أصحاب الجنة، ينتقدها المستشرقون، باعتبارها ملذات غارقة في الماديات، وجوابنا على ما يروّجون: أن الجنة بما هي كذلك «مجتمع وفرة» لا فقر فيها ولا حاجة، ولا عوز، ولا أمراض، ولا إحن، ولا خلافات سياسية أو اقتصادية، وهي الأشياء المتولدة عن مجتمعات النّدرة. والقرآن ينفى أن تتحقق على الأرض مجتمعات الوفرة، إلا للمستقويين، بعدوان الأقوياء على المستضعفين، والاستئثار بخيرات الأرض، دون أصحابها كما في أمريكا والدول الغنية، وحتى في تلك المجتمعات هناك المظالم الاجتماعية، والتفاوت في الدخول، وصراع الطبقات، وانتشار الأمراض، وغلبة الأمية، حتى أن المجتمع الأمريكى وهو مجتمع يصفونه بالرفاهية، تبلغ نسبة الأمية فيه 18 خ، ولا يمثل خريجو الجامعات إلا 36 خ من الشباب الأمريكى، وتبلغ نسبة عدد الفقراء إلى عدد السكان 58 خ، وليست صورة الجنة كما يصفها القرآن من نوع الأمانى لتخدير الفقراء وصرف الشعوب الفقيرة عن أن تطالب بحقوقها، فلم يوجد كتاب كالقرآن يطالب بحقوق الفقراء ويسن التشريعات لضمان صيانتها، وما كانت الدعوة إلى الإسلام إلا بين الفقراء أصلا، وما تعتنق الشعوب الإسلام إلا بسبب مطالباته من أجل الشعوب والطبقات المضطهدة، ومن أجل ذلك كانت الاستراتيجية الجديدة لحلف الأطلنطى هي ضرب
422