لم يفرغ منه؟ فقال: «بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام، ولكن كلّ ميسر لما خلق له» أخرجه الترمذى، يعني: أن كلّ إنسان له حدوده، وقدراته، وإمكاناته، وذكاؤه، ومواهبه، وطاقته، ووسعه، وفهمه، واستيعابه، وهذه أشياء معروفة له تعالى قبل أن يخلقه، فإذا خلقه في هذا النطاق، فما هو ميسر له يأتيه ربما بالخير وربما بالشر، وله حرية أن يختار، وهو لذلك مسئول، ومن ثم كان عليه أن يحاذر فيما يأتيه، فلا يتصادم مع آخرين، ومع القانون أو المجتمع، أو مع الشريعة، والله تعالى يعلم ما يمكن أن نأتيه، لأنه الذي خلقنا بهذه الإمكانات، وأهّلنا بها لأدوار إن نشأ نجعلها أدوار شر، وإن نشأ نجعلها أدوار خير، والسعيد هو من كان على وفاق مع أوامر ونواهى الله، والشّقي من كان على غير وفاق معها وساير الشرّ والأشرار.
* * *
1310 - في الحشر: هل تزوج النفوس؟
في الآية: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) (7) (التكوير)، قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «يقرن كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون كعمله»، وقال عمر بن الخطاب: يقرن الفاجر مع الفاجر، ويقرن الصالح مع الصالح. وقال ابن عباس: يقرن كلّ شكل بشكله من أهل الجنة وأهل النار، فيضم المبرّز في الطاعة إلى مثله، والمتوسط إلى مثله، وأهل المعصية إلى أمثالهم، فالتزويج: أن يقرن الشيء بمثله، والمعنى: وإذا النفوس قرنت إلى أشكالها، سواء إلى الجنة أو إلى النار. وفي الآية: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ) (22) (الصافات)، جعل لهم أزواج على أشباه أعمالهم، ليس بتزويج حقيقي، ولكنه تزويج معنوى، فأصحاب اليمين هؤلاء زوج يعني جماعة، وأصحاب الشمال زوج، والسابقون زوج.
* * *
1311 - الدار الآخرة هي الحيوان
هى الجنة، سميت دارا لأنها للإقامة فيها والسكنى، كقوله تعالى: (الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ) (35) (فاطر)، وحددها فقال: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها) (33) (فاطر)، والجنات - كقول ابن عباس - سبع، هي: جنة عدن، وجنة المأوى، وجنة الخلد، وجنة الفردوس، وجنة النعيم، وجنة الوراثة، وجنة المتقين. وسميت الدار الآخرة: دار المتقين، كقوله: (وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللهُ الْمُتَّقِينَ) (31) (النحل)،
412