والغبن في الدنيا محرّم لأنه من باب الخداع، والفرق بين غبن الدنيا وغبن الآخرة، أن غبن الدنيا يمكن أن يستدرك، بينما غبن الآخرة لا يستدرك أبدا.
ويقول بعض أهل الصلاح: إن الغبن مكتوب على الخلق أجمعين، ولا يلقى العبد ربّه إلا مغبونا، لأن أي عمل لا يستوفى له ليحصل على ثوابه مستوفى، وفي الحديث من ذلك: «لا يلقى الله أحدا إلا نادما، إن كان مسيئا أن لم يحسن، وإن كان محسنا أن لم يزدد».
* * *
1308 - عند البعث الناس طبقات ثلاث
الخلق عند الموت وعند البعث على درجات أو طبقات ثلاث: (فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ) (94) (الواقعة)، فالطبقة الأولى: هي طبقة المقرّبين: وهم المحسنون السابقون بالدرجات العلا، وهؤلاء لهم الرّوح، أي يروّح عنهم ويرحمون سواء عند الموت أو عند البعث؛ والريحان هو النبت المعروف، يراح لهم به برائحته الطيبة؛ والطبقة الثانية: طبقة أصحاب اليمين: وهؤلاء عليهم السلام: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (32) (النحل)، أي يسلّم عليهم الملائكة، ويسلمون من العذاب، ولنا منهم السّلام، وعلينا لهم السّلام، وذلك لهم إكرام بعد إكرام؛ والطبقة الثالثة: هي طبقة المكذّبين الضالين: وهم الذين يكذّبون بالبعث وقد ضلّوا عن الهدى والحق، فإنهم يعنتون عند الموت، وفي الآخرة يستضافون بالحميم، وهو نقع النار يشوى البطون، ثم يصلون الجحيم.
* * *
1309 - الناس في الآخرة إما أشقياء وإما سعداء
يوم الآخرة (يَوْمٌ مَشْهُودٌ) (103) (هود)، يشهده البرّ والفاجر، والناس فيه صنفان: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ) (107) (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (108) (هود)، فالشقيّ يوم القيامة هو الذي كتبت عليه الشقاوة، والسعيد الذي كتبت عليه السعادة. وفي الرواية أن عمر بن الخطاب لمّا نزلت هذه الآية: (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا نبيّ الله، فعلام نعمل؟ على شيء قد فرغ منه، أو على شيء
411