وثمة شيء آخر كان سبباً في ارتداد البعض عن الإسلام، وهو التوسع في التأويل غير المستساغ الذي تميزت به العقيدتان الأشعرية والماتريدية، حيث وجد المتفلتون عن الإسلام في ذلك بغيتهم، حيث قسموا المسلمين إلى مدرستين، مدرسة الحَرْفيين أو النصوصيين المتحجرين الذين لا يجاوزون النصوص الشرعية، ومدرسة المستنيرين ـ في زعمهم ـ الذين اكتفوا من الإسلام بروحه ومزاجه، ومعلوم في شرع الله أن التأويل منه ما هو محمود وهو الذي يقوم على الدليل، ومنه ما هو مذموم محرم وهو الذي يعتمد على الهوى.
4. التحاكم إلى القوانين الوضعية، وتنحية القوانين والأحكام الشرعية مكَّن كثيراً من المتظاهرين بالإسلام من إعلان ردتهم وزندقتهم والتبجح بها، وأمنهم من إقامة حد الردة عليهم، أوتعزيرهم وتأديبهم جعلهم لا يترددون فيما يريدون قوله أوفعله أواعتقاده، "فمن أمِنَ العقوبة أساء الأدب".
5. التسيب الفكري، فقد اختلت المفاهيم وتغيرت الموازين، وضعف الوازع الديني.
6. تقليد الكفار والتشبه بهم وبدينهم، فطالما أن الكفار نبذوا الدين وحصروه في الذهاب إلى الكنيسة ساعة يوم الأحد للاستماع للموسيقى، وقد نتج عن ذلك تقدمهم الحضاري والعسكري، فما بالنا نحن متمسكون بديننا مطالبون بتحكيمه في كل مناحي الحياة؟!
7. تقصير العلماء في القيام بدورهم في توعية المسلمين وتبصيرهم بأمر دينهم، ومنافقتهم الناس فيما يعتقدون ويمارسون، من أقوى أسباب تفشي ظاهرة الارتداد عن دين الله.
8. الفتاوى الانهزامية التي تصدر من بعض المنتسبين إلى العلم من العصرانيين وغيرهم.
9. التشبث بالزلات والهفوات التي صدرت أونسبت لبعض أهل العلم، ومعلوم أن من تتبع زلات العلماء وهفواتهم تزندق أوكاد، وتجمع فيه الشر كله.
10. توهم البعض واستغلال أهل الأهواء للدعوى الباطلة، وهي أن أحاديث الآحاد لا يعمل بها في العقائد والأحكام
تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحادي تقسيم حادث، وهو نتيجة خبيثة وأثر سيئ لعلم الكلام، وما تبع ذلك من أن أحاديث الآحاد ظنية الثبوت ولهذا لا يعمل بها في العقائد والأحكام، وقد رد على هذه الشبهة القذرة الأئمة الكبار أمثال الشافعي في "الرسالة" وابن حزم في "الإحكام لأصول الأحكام"، حتى أصبحت هذه المسالة هي الفارق بين السُّنِّي والبدعي.
فكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حجة بنفسه من غير قيد ولا شرط: "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"، ويفيد العلم والعمل في العقائد، والأحكام، والعبادات، والسلوك، والآداب سواء، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
ويكفي في رد هذه الشبهة القذرة أن حديث: "إنما الأعمال بالنيات" الذي يعتبر ثلث الدين حديث آحاد، مشهور، عزيز، إذ لم يروه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن عمر ولا عن راويه عن عمر إلا واحد، فلماذا يقبله أهل الأهواء المتزيين بالإسلام، وينكرون حدَّ الردة، ورجمَ الزاني المحصن، وكلها أحاديث آحاد؟ لولا مرض القلوب.
?
حكم من أباح الردة وأنكر حدها
من أباح الردة وأنكر حدها فهو كافر مُهدَر الدم ما لم يتب عن ذلك ويراجع الإسلام، لأن ذلك إنكار لما هو معلوم من الدين ضرورة، وطعن وتشكيك في الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، والحكام الغيورين الذين حكموا بردة المرتدين، وأقاموا عليهم حدها.
يتشبث المبيحون للردة الداعون لإنكار حدها ببعض الزلات والهفوات، نحو ما نسب للشيخ شلتوت رحمه الله أنه قال: (يتغير وجه النظر في المسألة إذا لوحظ أن كثيراً من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بأحاديث الآحاد، وأن الكفر نفسه ليس مبيحاً للدم، وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم، ومحاولة فتنتهم عن دينهم، وأن ظواهر القرآن في صمته عن عقوبة المرتد تؤيد هذا)، مما يدل على خطورة الزلات والهفوات وتلقف أهل الأهواء لها.