فقال أنيس: إن لي حاجة بمكة فاكفني. فانطلق أنيس حتى أتى مكة. فراث علي. ثم جاء فقلت: ما صنعت؟ قال: لقيت رجلا بمكة على دينك. يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيس أحد الشعراء.
قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة. فما هو بقولهم. ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر. فما يلتئم على لسان أحد بعدي؛ أنه شعر. والله! إنه لصادق. وإنهم لكاذبون...(الحديث)
-والإعجاز بكل واحد من النوعين: الإيجاز والبلاغة بذاتها، أو الأسلوب الغريب بذاته، كل واحد منهما نوع إعجازه على التحقيق، لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما، إذا كل واحد خارج عن قدرتها، مباين لفصاحتها و كلامها، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين.
و ذهب بعض المحققين المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب، وأتى على ذلك بقول تمجه الأسماع، وتنفر منه القلوب. والصحيح ما قدمناه، و العلم بهذا كله ضرورة قطعاً.
ومن تفنن في علوم البلاغة، وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه.
-وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه، فأكثرهم يقول: إنه ما جمع في قوة جزالته، ونصاعة ألفاظه، وحسن نظمه، وإيجازه، وبديع تأليفه وأسلوبه لا يصح أن يكون في مقدور البشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن إقدار الخلق عليها، كإحياء الموتى، وقلب العصا، وتسبيح الحصى.
وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أن مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر، ويقدرهم الله عليه، ولكنه لم يكن هذا ولا يكون، فمنعَهم اللهُ هذا، و عجَّزهم عنه.
-وقال به جماعة من أصحابه.
-وعلى الطريقين فعجز العرب عنه ثابت، وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر، وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع، وهو أبلغ في التعجيز، وأحرى بالتقريع، والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم، وهو أبهر آية، وأقمع دلالة.
وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال، بل صبروا على الجلاء، والقتل، وتجرعوا كاسات الصَّغار والذل، وكانوا من شموخ الآنف، وإباية الضيم، بحيث لا يؤثرون ذلك اختياراً، ولا يرضونه إلا اضطراراً، وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم، الشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم لديهم، وهم ممن لهم قدرة على الكلام، وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام، وما منهم إلا من جهد جهده، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره، وإطفاء نوره، فما جلوا في ذلك خبيئةً من بنات شفاههم، ولا أتوا بنطفة من معين مياههم، مع طول الأمد، و كثرة العدد، وتظاهر الوالد وما ولد، بل أبلسوا فما نبسوا، ومنعوا فانقطعوا، فهذان نوعان من إعجازه.
الفصل الخامس
في إعجاز القرآن:
الوجه الثالث: ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات
-الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم يكن ولم يقع، فوجد، كما ورد وعلى الوجه الذي أخبر به، كقوله تعالى: (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ) (الفتح 27)
وقوله تعالى:(وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم: 3).
وقوله تعالى:(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: 33)
وقوله تعالى: ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55)