﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 1 - 2].
وإذ كان أهل الخشوع هم أهل البشارة من الله:
﴿وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِ الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج: 34 - 35].
* * *
إن الخشوع هو المظهر الأرقى لصحة القلب فإذا أخرج الخشوع من القلب فقد خرب هذا القلب، فما ذهب الخشوع إلا وقد غُلِبَ القلب بأمراض خطيرة وأحوال شريرة كحب الدنيا والتنافس عليها، ومتى غلب القلب بالأمراض فَقَدَ التطلع إلى الآخرة، ومتى وصل إلى ذلك فلا صلاح للمسلمين، فحب الدنيا يعقبه التنافس عليها، والتنافس عليها لا يقوم به أمر دنيا ودين.
* * *
إن فقدان الخشوع علامة على فقدان القلب حياته وحيويته فالموعظة فيه لا تؤثر، والأهواء فيه غلاّبة، تصوّرْ بعد ذلك كيف يكون الحال؟ عندما تتغلب الأهواء ولا ينفع وعظ ولا تذكير فعندئذ تتغلب الشهوات ويقوم سوق التنافس على الجاه والغلبة والسيطرة والمال والشهوات، وهذه إذا سيطرت لا يصلح معها دنيا أو دين.
بيان الدواء النافع في حضور القلب
اعلم أن المؤمن لا بد أن يكون معظماً لله عز وجل وخائفاً منه وراجياً له ومستحيياً من تقصيره فلا ينفك عن هذه الأحوال، وإن كانت قوتها قوّة يقينه فانفكاكه عنها في الصلاة لا سبب له إلا تفرّق الفكر وتقسيم الخاطر وغيبة القلب عن المناجاة والغفلة عن الصلاة. ولا يلهي عن الصلاة إلا الخواطرُ الواردة الشاغلة، فالدواء في إحضار القلب هو دفع تلك الخواطر ولا يُدفع الشيء إلا بدفع سببه فلتعلم سببه، وسبب موارد الخواطر إما أن يكون أمراً خارجاً أو أمراً في ذاته باطناً.
الفصل الثاني في الزكاة والإِنفاق
تشكّل الزكوات والإنفاق في سبيل الله الوسيلة الثانية في الأهمية في باب تزكية النفس، لأن النفس مجبولة على الشح، وهو رذيلة يجب تطهير النفس منها، قال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتْ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: 128] والإِنفاق في سبيل الله هو الذي يطهّر النفس من الشح فتزكو بذلك النفس، قال تعالى:
﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: 17 - 18].
وإنما تؤدي الزكوات والإنفاق دوراً في تزكية النفس إذا لوحظ فيها أدب الظاهر والباطن، [وها نحن أولاء نقتصر على ذكر ذلك من كلام الغزالي في الآداب الباطنة أما الآداب الظاهرة فتنظر في قسم الفقه.
أداء الزكاة وشروطه الباطنة والظاهرة
اعلم أنه ينبغي لمؤدي الزكاة أن يراعي أربع أمور:
(الأول) النية: وهو أن ينوي بقلبه زكاة الفرض ويسنّ له تعيين الأموال. فإن كان له مال غائب فقال هذا عن مالي الغائب إن كان سالما وإلا فهو نافلة جاز. وإذا وكل بأداء الزكاة ونوى عند التوكيل أو وكل الوكيل بالنية كفاه لأنّ توكيله بالنية نية.