أحمد والبيهقي والحاكم وصححه] وقال صلى الله عليه وسلم: "أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن". [رواه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح].
في حقوق الأخوة والصحبة
اعلم أن عقد الأخوة رابطة بين الشخصين كعقد النكاح بين الزوجين، وكما يقتضي النكاح حقوقاً يجب الوفاء بها قياماً بحق النكاح فكذا عقد الأخوة، فلأخيك عليك حق في المال والنفس وفي اللسان والقلب. بالعفو والدعاء وبالإِخلاص والوفاء وبالتخفيف وترك التكلف والتكليف وذلك يجمعه ثمانية حقوق:
الحق الأول: في المال
الأخوان إنما تتم أخوّتهما إذا ترافقا في مقصد واحد فهما من وجه كالشخص الواحد، وهذا يقتضي المساهمة في السراء والضراء والمشاركة في المآل والحال وارتفاع الاختصاص والاستئثار. والمواساة بالمال مع الأخوة على ثلاث مراتب.
أدناها: أن تُنزله منزلة عبدك أو خادمك فتقوم بحاجته من فضلة مالك، فإذا سنحت له حاجة وكانت عندك فضلة عن حاجتك أعطيته ابتداء ولم تحوجه إلى السؤال فإن أحوجته إلى السؤال فهو غاية التقصير في حق الأخوة.
الثانية: أن تنزله منزلة نفسك وترضى بمشاركته إياك في مالك ونزوله منزلتك حتى تسمح بمشاطرته في المال قال الحسن: كان أحدهم يشق ازاره بينه وبين أخيه.
الثالثة: وهي العليا أن تؤثره على نفسك وتقدّم حاجته على حاجتك وهذه رتبة الصدّيقين ومنتهى درجات المتحابين ومن ثمار هذه الرتبة الإِيثار بالنفس أيضاً.
الحق الثاني: في الإِعانة بالنفس في قضاء الحاجات
والقيام بها قبل السؤال وتقديمها على الحاجات الخاصة
وهذه أيضاً لها درجات كما للمواساة بالمال فأدناها القيام بالحاجة عند السؤال والقدرة ولكن مع البشاشة والاستبشار وإظهار الفرح وقبول المنة.
الحق الثالث: في اللسان بالسكوت
أما السكوت فهو أن يسكت عن ذكر عيوبه في غيبته وحضرته بل يتجاهل عنه ويسكت عن الرد عليه فيما يتكلم به ولا يماريه ولا يناقشه وأن يسكت عن التجسس والسؤال عن أحواله، وإذا رآه في طريق أو حاجة لم يفاتحه بذكر غرضه من مصدره ومورده ولا يسأله عنه فربما يثقل عليه ذكره أو يحتاج إلى أن يكذب فيه، وليسكت عن أسراره التي بثها إليه ولا يبثها إلى غيره البتة ولا إلى أخص أصدقائه ولا يكشف شيئاً منها ولو بعد القطيعة والوحشة، فإن ذلك من لؤم الطبع وخبث الباطن، وأن يسكت عن القدح في أحبابه وأهله وولده، وأن يسكت عن حكاية قدح غيره فيه، فإن الذي سبك من بلغك.
الحق الرابع: على اللسان بالنطق
فإن الأخوة كما تقتضي السكوت عن المكاره تقتضي أيضاً النطق بالمحاب بل هو أخص بالأخوة لأن من قنع بالسكوت صحب أهل القبور، وإنما يراد الإِخوان ليستفاد منهم لا ليتخلص من أذاهم، والسكوت معناه كفّ الأذى فعليه أن يتودد إليه بلسانه ويتفقده في أحواله التي يحب أن يتفقد فيها كالسؤال عن عارض إن عرض وإظهار شغل القلب بسببه واستبطاء العافية عنه، وكذا جملة أحواله التي يكرهها ينبغي أن