يظهر بلسانه وأفعاله كراهتها، وجملة أحواله التي يسر بها ينبغي أن يظهر بلسانه مشاركته له في السرور بها. فمعنى الأخوة المساهمة في السراء والضراء وقد قال عليه الصلاة والسلام: "إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره" [أخرجه أبو داود والترمذي]. وإنما أمر بالإِخبار لأن ذلك يوجب زيادة حب فإن عرف أنك تحبه أحبك بالطبع لا محالة، فإذا عرفت أنه أيضاً يحبك زاد حبك لا محالة فلا يزال الحب يتزايد من الجانبين ويتضاعف.
الحق الخامس: العفو عن الزلات والهفوات
وهفوة الصديق لا تخلو إما أن تكون في دينه بارتكاب معصية أو في حقك بتقصيره في الأخوة. أما ما يكون في الدين من ارتكاب معصية والإِصرار عليها فعليك التلطف في نصحه بما يقوم أوده ويجمع شمله ويعيد إلى الصلاح والورع حاله. فإن لم تقدر وبقي مصراً فقد اختلفت طرق الصحابة والتابعين في إدامة حق مودته أو مقاطعته. فذهب أبو ذرّ رضي الله عنه إلى الانقطاع وقال: إذا انقلب أخوك عما كان عليه فأبغضه من حيث أحببته، ورأى ذلك من مقتضى الحب في الله والبغض في الله. وأما أبو الدرداء وجماعة من الصحابة فذهبوا إلى خلافه، فقال أبو الدرداء: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه فلا تدعه لأجل ذلك فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى. وقال إبراهيم النخعي: لا تقطع أخاك ولا تهجره عند الذنب يذنبه فإنه يرتكبه اليوم ويتركه غداً. وقال أيضاً: لا تحدّثوا الناس بزلة العالم فإن العالم يزل الزلة ثم يتركها.
الحق السادس: الدعاء للأخ
الدعاء للأخ في حياته وبعد مماته بكل ما يحبه لنفسه ولأهله وكل متعلق به، فتدعو له كما تدعو لنفسك ولا تفرق بين نفسك وبينه، فإن دعاءك له دعاء لنفسك على التحقيق، فقد قال صلى الله عليه وسلم "إذا دعا الرجل لأخيه في ظهر الغيب قال الملك: ولك مثل ذلك" [أخرجه مسلم] وفي الحديث دعوة الرجل لأخيه في ظهر الغيب مستجابة [أخرجه مسلم].
الحق السابع: الوفاء والإِخلاص
ومعنى الوفاء: الثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه وبعد الموت مع أولاده وأصدقائه، فإن الحب إنما يرادُ للآخرة، فإن انقطع قبل الموت حبط العمل وضاع السعي، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: "في السبعة الذين يظلهم الله في ظله: ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه. [متفق عليه].
الحق الثامن: التخفيف وترك التكلف والتكليف
وذلك بأن لا يكلف أخاه ما يشق عليه بل يروّح سره من مهماته وحاجاته ويرفهه عن أن يحمله شيئاً من أعبائه، فلا يستمدّ منه جاه ومال ولا يكلفه التواضع له والتفقد لأحواله والقيام بحقوقه بل لا يقصد بمحبته إلا الله تعالى تبركاً بدعائه واستئناساً بلقائه واستعانة به على دينه وتقرباً إلى الله تعالى بالقيام بحقوقه وتحمّل مؤنته.
الفقرة السابعة في: جملة آداب العشرة والمجالسة مع أصناف الخلق
إن أردت حسن العشرة فالق صديقك وعدوّك بوجه الرضا من غير ذلة لهم ولا هيبة منهم، وتوقير من غير كبر، وتواضع في غير مذلة. وكن في جميع أمورك في أوسطها فكلا طرفي قصد الأمور ذميم. ولا تنظر في عطفيك ولا تكثر الالتفات ولا