وأما الورع فننقل لك عن الغزالي ما قاله في درجات الورع الأربع.
قال رحمه الله:
الدرجات الأربع في الورع وشواهدها
أمّا الدرجة الأولى: وهي ورع العدول وهو كل ما اقتضت الفتوى تحريمه مما يدخل في مداخل الحرام المطلق الذي ينسب مقتحمه إلى الفسق والمعصية.
وأمّا الدرجة الثانية: فأمثلتها: كل شبهة لا يجب اجتنابها ولكن يستحب اجتنابها، وأما ما يجب اجتنابها فتلحق بالحرام، ومنها ما يكره اجتنابها فالورع عنها ورع الموسوسين، كمن يمتنع من الاصطياد خوفاً من أن يكون الصيد قد أفلت من إنسان أخذه وملكه، وهذا وسواس. وأمّا ما يستحب اجتنابها ولا يجب فهو الذي ينزّل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" [أخرجه النسائي والترمذي وابن حبان وصححاه]. ونحمله على نهي التنزيه.
أمّا الدرجة الثالثة: وهي ورع المتّقين، فيشهد لها قوله صلى الله عليه وسلم "لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس" [أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه السيوطي]. وقال عمر رضي الله عنه: كنا ندع تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام.
الفقرة التاسعة: في الشكر
التقوى هي عتبة الوصول إلى الشكر، فمقام الشكر أرقى ولذلك قال تعالى: ﴿واتّقوا الله لعلّكم تشكرون﴾ لأن الشكر استنفاد للطاقات في الأحب إلى الله ولذلك قال عليه الصلاة والسلام "أفلا أكون عبداً شكوراً".
بيان فضيلة الشكر
اعلم أن الله تعالى قرن الشكر بالذكر في كتابه مع أنه قال ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45] فقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152] وقال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147] وقال تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 145].
بيان حدّ الشكر وحقيقته
اعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين، وهو أيضاً ينتظم من علم وحال وعمل، فالعلم هو الأصل فيورث الحال والحال يورث العمل فأما العلم فهو معرفة النعمة من المنعم، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه، والفعل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه. ويتعلق ذلك العمل بالقلب وبالجوارح وباللسان ولا بد من بيان جميع ذلك ليحصل بمجموعة الإِحاطة بحقيقة الشكر فإن كل ما قيل في حد الشكر قاصر عن الإِحاطة بكمال معانيه.
(فالأصل الأوّل) العلم: وهو علم بثلاثة أمور، بعين النعمة، ووجه كونها نعمة في حقه، وبذات المنعم ووجود صفاته التي بها يتم الإِنعام ويصدر الإِنعام منه عليه.
) الأصل الثاني) الحال المعتمدة من أصل المعرفة: وهو الفرح بالمنعم مع هيئة الخضوع والتواضع، ولكن إنما يكون شكراً إذا كان حاوياً شرطه، وشرطه أن يكون فرحك بالمنعم لا بالنعمة ولا بالإِنعام.