) العلامة الثالثة) أن يكون أنسه بالله تعالى والغالب على قلبه حلاوة الطاعة إذ لا يخلو القلب عن حلاوة المحبة إما محبة الدنيا وإما محبة الله، وهما في القلب كالماء والهواء في القدح، فالماء إذا دخل خرج الهواء ولا يجتمعان.
وقال أحمد بن حنبل وسفيان رحمهما الله: علامة الزهد قصر الأمل.
الفقرة الخامسة: في التوكّل
قال الغزالي رحمه الله بيان حال التوكل
مقام التوكل ينتظم من: علم، وحال، وعمل.
فأما الحال فالتوكل بالتحقيق عبارة عنه، وإنما العلم أصله والعمل ثمرته، وقد أكثر الخائضون في بيان حدّ التوكل واختلفت عباراتهم، وتكلم كل واحد عن مقام نفسه وأخبر عن حدّه، ولا فائدة في النقل والإِكثار، فلنكشف الغطاء عنه ونقول:
التوكل مشتق من الوكالة، يقال: وكل أمره إلى فلان أي فوّضه إليه واعتمد عليه فيه، ويسمى الموكول إليه وكيلاً، ويسمى المفوض إليه متكلاً عليه ومتوكلاً عليه مهما اطمأنت إليه نفسه ووثق به ولم يتهمه فيه بتقصير ولم يعتقد فيه عجزاً وقصوراً، فالتوكل عبارة عن اعتماد القلب على الوكيل وحده.
الفقرة السادسة: في محبة الله
قال الغزالي رحمه الله بيان أن المستحق للمحبة هو الله وحده
وأن من أحب غير الله لا من حيث نسبته إلى الله فذلك لجهله وقصوره في معرفة الله تعالى، وحب الرسول صلى الله عليه وسلم محمود لأنه أثر عن حب الله تعالى، وكذلك حب العلماء والأتقياء، لأنّ محبوب المحبوب محبوب ورسول المحبوب محبوب ومحب المحبوب محبوب، وكل ذلك يرجع إلى حب الأصل فلا يتجاوزه إلى غيره، فلا محبوب بالحقيقة عند ذوي البصائر إلا الله تعالى ولا مستحق للمحبة سواه.
الفقرة السابعة: في الخوف والرجاء
قال الغزالي رحمه الله
الرجاء والخوف جناحان بهما يطير المقرّبون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كؤود، فلا يقود إلى قرب الرحمن وروح الجنان مع كونه بعيد الأرجاء ثقيل الأعباء محفوفاً بمكاره القلوب ومشاق الجوارح والأعضاء - إلا أزمة الرجاء. ولا يصدّ عن نار الجحيم والعذاب الأليم - مع كونه محفوفاً بلطائف الشهوات وعجائب اللذات - إلا سياط التخويف وسطوات التعنيف.
الفقرة الثامنة: في التقوى والورع
ذكرنا التقوى بجانب الورع لأنهما يطلقان أحياناً في النصوص أو في عبارات الناس ويراد كل منهما بالآخر، وأحياناً يراد بالورع الحالة الأرقى من التقوى، وأحياناً يراد بالتقوى المقام الأرقى من الورع وهو مذهب الغزالي.
وإن من التقوى إقامة الفروض العينية التي هي أثر عن واجبات وقت أو عصر.
ومن أهم طرق التقوى العبادة وخاصة إذا أدّيت في مقام الإِحسان، وانّ الإِحسان طريقه بعد الدخول في الإِسلام العمل الصالح والكف عن المعاصي، فذلك الذي يوصل إلى حقيقة الإِيمان التي هي مقام الإِحسان.
ولنكتف بهذه الإِشارات إلى التقوى فالاختصار فيه لا يكفي.