أجد في نفسي، قل عما بدا لك. فقال ضمام: أنشُدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده ولا نشرك به شيئاً وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، قال ضمام: فأنشدك الله ألهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك الله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟.
فقال صلى الله عليه وسلم: اللهم نعم، ثم جعل ضمام يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة وبالأسلوب نفسه، ثم قال في النهاية أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وساؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص ثم انصرف إلى بعيره راجعاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة " وكم عند هذه الأسطوانة حصلت مناسبات وكم جرى من حوار بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين وفود العرب كالذي وقع بينه وبين وفد نجران وغيره.
3 - اسطوانة التوبة:
وهي الأسطوانة التي ربط فيها الصحابي الجليل (أبو لبابة) الأنصاري رضي الله عنه نفسه وظل فيها أسيراً وقال: والله لا أفك هذا الأسر عن نفسي حتى يتوب الله عليَّ ويحلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده. وقصة أبي لبابة هذه سببها أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عندما حاصر اليهود بني قريظة بعد غدرهم بعهده وانضمامهم إلى معسكر الأحزاب وطال عليهم الحصار وامتلأت قلوبهم من الرعب وضاقت الأرض بهم وجهلوا النكاية التي سوف تحل بهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليهم أبا لبابة رضي الله عنه لأنه كان حليفاً لهم قبل الإسلام لكي يتفاوض معهم فلما جاء إليهم أرسلوا الصبيان في وجهه يجأرون وصاحت نساؤهم مستعطفة لرحمته ثم حاولوا استغلال عاطفته فقالوا له: ماذا ترى؟ أننزل حكم محمد؟ فقال لهم: إن نزلتم على حكم محمد (وأشار بيده إلى حلقه) يعني سوف يذبحكم. فقال أبو لبابة فوالله ما تحركت قدماي حتى علمت أني خُنْت ورسوله فلم يعد إلي الرسول صلى الله عليه وسلم بل ذهب مسرعاً إلى المسجد النبوي وربط نفسه في هذه الأسطوانة.
فلما سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أما إنه لو جائني لاستغفرت له ". وبعد انتهاء حصار بني قريظة عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولا يزال أبو لبابة مستأسراً في ساريته فتأتيه بنته وتطلقه للصلاة وقضاء الحاجة ثم تعيده إلى أسره. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أما إذ فعل بنفسه ما فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه". فلما أنزل الله توبته على النبي صلى الله عليه وسلم وهو فيبيت أم سلمة رضي الله عنها، تقول أم سلمة: لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السَّحَر يضحك، فقلت: مم تضحك يا رسول الله أضحك الله سنك؟ قال: " تيب على أبي لبابة ". فقالت أم سلمة: ألا أبشره يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئت فقامت على باب حجرتها (والحجاب لم يضرب بعد) وقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك. وهذا يعني أن دارها كان بابها مفتوحاً على المسجد فلما سمع الناس التوبة على أبي لبابة ثاروا إليه ليطلقوه من أسره، فقال: لا والله حتى يكون