عليه الصلاة و السلام:" يا عائشة إنه ليهون عليّ الموت أني رأيتكِ في الجنة"، ففرحت عائشة.
و كان في بيته حين مرضه سبعة دنانير، فإذا أُغميَ عليه ثم أفاق، صحا يقول: يا عائشة تصدّقي بها، فإذا استيقظ قال ما فعلتم بالمال؟ يقولون: يا رسول الله شُغِلنا بك، يقول: ما ظنُّ محمد بربّه لو لقيَ الله وعنده هذه الدنانير، تصدّقوا بها كلها. ثم دعا النبي صلى الله عليه و سلم سيدتنا الزهراء فاطمة، فلمّا دخلَت عليه ابتسم و قرَّبها منه وهمس في أذنها فسارَّها بشيء، فبكت ثم دعاها فسارَّها بشيء، فضحكت، فسألتها عائشة فقالت: ما كنتُ لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه و سلم. وكان صلى الله عليه و سلم إذا دخلت عليه فاطمة قام إليها و قبَّلَها وأجلسها في مجلسه فلما مرض ودخلت عليه لم يستطع القيام فأكَبَّت على يديه فقبَّلتهما و قبَّلته من وجنتيه، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "يا فاطمة إنَّ جبريل كان يعاودني القرآن كل سنة مرة، وإنه عاودني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي ويا فاطمة أبشري إنكِ أول أهل بيتي لحوقاً بي".
و عن عائشة قالت: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفاطمة: "يا فاطمة أخبرني جبريل أنه ليس من نساء المسلمين أعظم مُصاباً منكِ بي بعدي، فلا تكوني أدنى امرأة منهم صبراً، فاصبري يا ابنتي و احتسبي عند الله أجرك تكوني أول الناس لحوقاً بي"، فقامت فاطمة و قالت: احتسبتكَ عند الله ". و كانت رضي الله عنها قد توفيت بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم بستة أشهر.
و في ليلة الوفاة و يُقال ليلة الاثنين، عند صلاة الفجر و المسلمون ينتظرون رسول الله صلى الله عليه و سلم، بعث السيدة عائشة و قال لها: " مُري أبا بكر فَليُصَلِّ بالناس "، فقالت: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رجل ضعيف الصوت، فقال عليه الصلاة و السلام: "إنَّكن صُوَيحبات يوسف، مُرنَ أبا بكر فليصلِّ بالناس"، فقالت: يا رسول الله إنَّ أبا بكر رجل رقيق لا يستطيع أن يقف مكانك و أنت مريض و إذا قرأ القرآن لا يسمع الناس قراءته من كثرة بكائه، فقال عليه الصلاة و السلام: "مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس". فصلى أبو بكر سبعة عشر صلاة بالناس، فلما ازداد مرض رسول الله صلى الله عليه و سلم وجعاً امتلأ المسجد بالناس لا يغادرونه حتى يطمئنوا على رسول الله صلى الله عليه و سلم، حتى كان فجر ذلك اليوم الذي غادر فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم الدنيا، فوقف أبو بكر يؤمُّ الناس فإذا برسول الله صلى الله عليه و سلم يفتح حجاب البيت و ينظر فيجدُ المسجد مُلِء، َ فيبتسم و يقول الحمد لله ثم ينادي على عليّ و الفضل و العباس فيحملونه فيدخل المسجد و هو يخط بقدميه الأرض خطا. فابتسم الناس و عَلَت أصواتهم بالحمد و أحسَّ أبو بكر أن رسول الله خرج فتراجع و وقف مع المصلّين، فأمره رسول الله بالوقوف و جلس بجانبه و اقتدى رسول الله صلى الله عليه و سلم بأبي بكر و في رواية أخرى اقتدى أبو بكر بالرسول صلى الله عليه وسلم و اقتدى الناس بأبي بكر، أي كان أبو بكر مبلِّغاً (و من هنا قال الشافعية الأدب مُقَدَّمٌ على الأمر).ثم بعد أن انتهى من الصلاة أمرهم أن يُصعِدوه المنبر، فجلس على أسفله، لم يستطع أن يرتفع كثيراً، ثم حَمِدَ الله تعالى و أثنى عليه و صلى على نفسه ثم قال: أيها الناس