بلغني أنكم تخافون موت نبيِّكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بُعِثَ إليهم فأخلد فيكم؟ ألا و إني لاحق بربي ألا و إنكم لاحقون بي، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً و أوصيكم في ما بينهم خيراً، فإنَّ الله يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: 1 - 3]، إنّ الأمور تجري بإذن الله فلا يحمِلَنَّكم استبطاء أمر على استعجاله، إنّ الله لا يَعجَل بعجلة أحد و من غالب الله غلبه و من خادع الله خدعه، فهل عسيتم أن تولَّيتم أن تفسدوا في الأرض و تُقَطِّعوا أرحامكم.
أيها الناس أوصيكم بالأنصار خيراً فإنهم الذين تبَوَّأوا الدار و الإيمان من قبلكم، و أن تُحسِنوا إليهم. أيها الناس ألم يشاطروكم في ثمارهم، ألم يوسعوا لكم في ديارهم، ألم يؤثروكم على أنفسهم و بهم الفقر و الخصاصة؟!!!
ألا فمن وُلي أن يحكم بين رجلين فليقبل من مُحسِنِهم و ليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا و إني فرط لكم (أي ذاهب قبلكم) فأنتم لاحقون بي، ألا إنّ موعدكم الحوض، فمن أحبَّ أن يَرِدَه عليّ غداً فليكف يده و لسانه إلا فيما ينبغي. يا أيها الناس إنّ الذنوب تُغَيِّر النِّعَم و تبدِّل القِسَم فإذا ضر الناس ضرهم أئمَّتهم و إذا فجروا عقَّهم أئمَّتهم، ثم قال: حيَّاكم الله بالسلام، رحمكم الله جبركم الله رزقكم الله نصركم الله رفعكم الله آواكم الله، أوصيكم بتقوى الله، أستخلفه عليكم، أحذِّركم الله، إني لكم منه نذير مبين ألا تعلوا على الله في بلاده و عباده فإنه قال لي و لكم: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83]. فقام رجل و قال: يا رسول الله متى أجَلُك؟ قال: يا أخي دنا الفراق و المنقَلب إلى الله و إلى الجنة المأوى. قلنا من يغَسِّلك؟ قال: رجال أهل بيتي، قلنا و بما نُكَفِّنك؟ قال: بثيابي و إن شئتم في ثياب بياض مصر. قلنا يا رسول الله: من يصلي عليك؟ قال: إذا أنتم غسَّلتموني و كفَّنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري ثم انصرفوا عني ساعة فإنَّ أول من يصلي عليّ، جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت و أعوانه من جنود الملائكة، ثم ادخلوا عليّ أفواجاً أفواجاً فصلوا عليّ و سلِّموا تسليما. ثم لِيَبدأ بالصلاة عليّ رجال أهل بيتي ثم نساؤهم ثم أنتم و أقرِئوا السلام على من تبعني على ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة.
تقول السيدة عائشة: لم يُقبض نبي حتى يريه الله تعالى مقعده في الجنة، تقول: فرأيتُ الرسول صلى الله عليه و سلم قد أغمض عينيه و رفع يده إلى السماء ففهِمتُ أنه يقول ربي، أريد ربي، هنا دخلت فاطمة فرات أباها في النَّزع فقالت: وا كرب أبتاه، فقال صلى الله عليه وسلم: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة، ثم قبض روحه ملك الموت، فسُمِعَ صوت في البيت يقول: " إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفاً من كل هالك و دَرَكاً من كل فائت فبالله فثِقوا وإيّاه فارجوا وإنَّما المصاب من حُرِمَ الثواب والسلام عليكم ورحمة الله ". تقول عائشة: فوضع الرسول صلى الله عليه وسلم رأسه بين صدري و نحري و طلب شيئاً من الماء وضعه على شفتيه و قال: "اللهم سَهِّل عليّ سكرات الموت". و بدأ ينزع عليه الصلاة والسلام، وأنا أنظر إليه ما أدري ما الأمر، فإذا به يثقل ويثقل ونظرت فإذا هو قد شَخَصَ ببصره إلى السماء فعرفتُ إنه قد قُبِض، فوضعتُ رأسه الشريف صلى الله عليه وسلم