قال محمد بن سيرين – رضي الله عنه – ((سألت عبيدة عن هذه الآية فقال: العدل المنفى في الحب والجماع)). وقال أبو بكر بن العربي [عن الحب]: ذلك لا يملكه أحد إذ قلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرفه كيف يشاء، وكذلك الجماع فقد ينشط للواحدة ما لا ينشط للأخرى .. فإن لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه، فإنه لا يستطيعه فلا يتعلق به تكليف)).
وقال الإمام الخطابي: ((يجب القسم بين الحرائر الضرائر، وإنما المكروه في الميل هو ميل العشرة الذي يترتب عليه بخس الحقوق [المادية] دون ميل القلوب))،ويقول الشيخ سيد قطب رحمة الله عليه: ((المطلوب هو العدل في المعاملة والنفقة والمعاشرة والمباشرة .. أما العدل في مشاعر القلوب وأحاسيس النفوس فلا يطالب به أحد من بنى الإنسان، لأنه خارج عن إرادة الإنسان، وهو العدل الذي قال الله عنه ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء﴾ هذه الآية التي يحاول بعض الناس أن يتخذ منها دليلا على تحريم التعدد، والأمر ليس كذلك .. وشريعة الله ليست هازلة حتى تشرع الأمر في آية وتحرمه في آية أخرى .. ولأن الشريعة لا تعطى باليمين وتسلب بالشمال!!
فالعدل المطلوب في الآية هو العدل في النفقة والمعاملة و المعاشرة و المباشرة، ويدونه يتعين عدم التعدد، فهو يشمل سائر الأوضاع الظاهرة بحيث لا ينقص زوجة شيئا منها، وبحيث لا تؤثر إحدى الزوجات على الأخريات بشيء من نفقة أو معاشرة أو مباشرة، وذلك على النحو الذي كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) – وهو أرفع إنسان عرفته البشرية – يفعله ويقوم به، في الوقت الذي كان الجميع لا يجهلون أنه عليه السلام كان يحب عائشة لكن هذا لم يجعله يفضلها على غيرها في القسم أو النفقة. (22)
والخلاصة أن الميل القلبي أو الحب لزوجة أكثر من غيرها – فيما نرى – يجب أن يظل في مكانه داخل الصدر، ولا يترجم إلى تصرفات أو من أفعال من شأنها أن تجرح أحاسيس باقي الزوجات أو تضر بمصالحهن ومصالح أولادهن لحساب الزوجة المحظية وأولادها ..
ونحن أولا وأخيرا بشر ولسنا ملائكة، ولهذا يجب أن يقنع الجميع بالعدالة فيما يستطاع، فالعدل المطلق لا مكان له إلا في الآخرة عند الله تعالى الذي لا يظلم عنده أحد .. ولا سبيل إلى إجبار أحد من البشر على العدل في المشاعر والأحاسيس ..
والله تعالى بعدله ورحمته سوف يعوض تلك التي لا تحظى بقدر كبير من الحب أو الجاذبية أو محبة زوجها، سوف يعوضها إن صبرت واتقت كل الخير في الدنيا والآخرة .. ولعل هذا الوضع يكون اختبارا لها وابتلاء من الله تؤجر عليه إن صبرت وامتثلت لأمر الله، ونذكر هنا مثل هذه الزوجة بأن بقاءها مع زوجها وتمتعها بقدر منقوص من حبه، مع كل حقوقها الأخرى وحقوق أولادها، خير لها ألف مرة من الطلاق البغيض والحرمان التام من كل ذلك .. فالدنيا ليست دار بقاء ومتاعها ناقص وزائل في النهاية، والنعيم المقيم والسعادة التامة مكانها الجنة وليست الأرض ..
وأخيرا فإنه لو كان صحيحا أن الآية 129 من سورة النساء تحظر التعدد [لأنها كما زعموا: قطعت بأن العدل بين النساء مستحيل] نقول لو كان هذا صحيحا لكان