4 - أنه إجماع ولكنه ليس قطعيا، إنما هو دليل ظني كسائر الأدلة الظنية الأخرى، وهو مذهب أبي الحسن الكرخي من الحنفية، والآمدي من الشافعية.
أدلة حجية الإجماع الصريح:
اتفق جمهور المسلمين على أن الإجماع حجة، وأنه دليل من أدلة الشريعة الإسلامية، وإن كانوا اختلفوا في أنواعه وطبيعته وشروطه على ما مر، وسيأتي، وخالف في ذلك النظَّام وبعض الشيعة والخوارج، وذهبوا إلى أن الإجماع ليس بحجة أصلا.
وقد استدلوا لحجية الإجماع بأدلة كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول على النحو التالي:
من الكتاب الكريم:
لقد ورد في القرآن الكريم آيات كثيرة تفيد كلها وجوب احترام اتفاق المسلمين والمنع من مخالفتهم، كما تدل على صلاحهم وتقواهم بطريق يحيل اجتماعهم على ضلال أو خطأ.
ومن هذه الآيات الكريمة.
قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) (النساء:115)
وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة:
أن الله جمع في هذه الآية بين مشاقّة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد، ولا شك أن مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم وحدها تستوجب الوعيد. فدل ذلك على أن اتباع غير سبيل المؤمنين المذكور حرام يستوجب الوعيد كذلك، وإلا لما كان في ضمه إلى مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم فائدة. وإذا كان اتباع غير سبيل المؤمنين حراما كان اتباع سبيلهم واجبا، لأن اتباع أحد السبل لا بد منه بنص الآية: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) ولا شك أن سبيل المؤمنين هو ما اتفقوا عليه، فكان ما اتفقوا عليه واجب الاتباع لذلك.
قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران:110)
وجه الاستدلال بهذه الآية:
إن الخيرية توجب الحقيقة فيما اجتمعوا عليه، لأنه لو لم يكن حقا لكان ضلالا، لقوله تعالى: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) (يونس:32)، ولا شك أن الأمة الضالة لا تكون خير الأمم، على أن الله تعالى وصفهم بقوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (آل عمران:110)، فإذا اجتمعوا على الأمر بشيء يكون ذلك الشيء معروفا، وإذا نهوا عن الشيء يكون ذلك الشيء منكرا، فيكون إجماعهم حجة لذلك.
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) (البقرة:143)