والسنة التقريرية: هي أن يقال قول أو يفعل فعل أمام النبي صلى الله عليه وسلم أو أمام غيره فيراه أو يسمع به فيسكت عنه، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مشرِع لا يجوز سكوته على معصية، ولذلك يعتبر سكوته عن هذا الفعل أو القول إقرارا بمشروعيته، أي إن سكوته صلى الله عليه وسلم بمثابة قوله: (هذا حلال أو هذا مشروع)، وإذا كان ذلك كذلك كان سنة، ومن باب أولى ابتسامته واستبشاره واستحسانه للفعل أو القول الذي جاء بين يديه، فإنه دليل على رضاه عنه وإقراره لمشروعيته أيضا، فمن أمثلة النوع الأول قول أحد الصحابة: (أكل الضب على مائدة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يأكل منه ولم ينهنا عن أكله) رواه الترمذي، ومن النوع الثاني ما روي من سؤاله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل ? عندما أرسله إلى اليمن قاضيا، حيث قال له: بم تقضي يا معاذ؟ قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما يرضي الله ورسوله)، فهذا الاستحسان دليل الرضا والإقرار لما ذهب إليه معاذ.
مراتب السنة الشريفة من حيث ثبوتها:
القرآن الكريم كله متواتر بجملته وتفصيله، ولذلك لا محل لتفصيل مراتبه من حيث الثبوت، فإنه في مرتبة واحدة هي مرتبة القطع واليقين، إذ هو حكم التواتر.
أما السنة الشريفة، فهي متواترة بمجموعها، بمعنى أنه تواتر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم صدرت عنه سنة هي أقوال وأفعال وتقريرات، ولكن مفردات السنة الشريفة وتفصيلاتها ليست متواترة كلها، بل فيها المتواتر، وفيها ما هو دون ذلك، ولذلك قسمها الأصوليون إلى أقسام ومراتب تبعاً لطريق ثبوتها ودرجته.
فقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أنها من حيث ثبوتها على مرتبتين: السنة المتواترة، والسنة الآحادية، وذهب الحنفية إلى أنها على ثلاث مراتب، هي: السنة المتواترة، والسنة الآحادية، والسنة المشهورة، وهي مرتبة ثالثة بين التواتر والآحاد.
السنة المتواترة:
التواتر في اللغة التتابع، وفي اصطلاح الأصوليين ما رواه قوم عن قوم يحيل العقل تواطؤهم على الكذب، وقد بينا في تعريفنا للقرآن وتحليلنا له شروط التواتر وأركانه، فلا حاجة إلى إعادة ذلك هنا.
وعلى ذلك فالسنة المتواترة هي: أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته التي وردت إلينا مستوفية شروط التواتر من حيث سندها، والسنة المتواترة قليلة جداً بشكل إجمالي، وهي في أفعاله أكثر منها في أقواله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن السنة الشريفة القولية المتواترة قليلة جداً، وهنالك كتب كثيرة عنيت بجميع السنة الشريفة المتواترة.
ومن السنة الشريف القولية المتواترة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا وصية لوارث) فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى أنه متواتر السند في المعنى.
ومن السنة الشريفة الفعلية المتواترة كيفية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وحجه صلى الله عليه وسلم، فقد رويت لنا كل أفعاله تلك بأسانيد متواترة.