تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الْمَصْلَحَةِ الْمَوْهُومَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؟ وَطَبَائِعُ النَّاسِ , كَمَا نَعْلَمُ وَنُشَاهِدُ , مُخْتَلِفَةٌ , فَمَا يُحِبُّهُ هَذَا يَكْرَهُهُ ذَاكَ , وَمَا يَكْرَهُهُ ذَاكَ يُحِبُّهُ هَذَا , وَالْمُحِبُّ لَا يَرَى فِيمَا أَحَبَّ إلَّا جَانِبَ الْخَيْرِ وَالْمَصْلَحَةِ , وَالْكَارِهُ لَا يَرَى فِيمَا يَكْرَهُ إلَّا جَانِبَ الشَّرِّ وَالضُّرِّ. وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ كَمَا أَنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِي الْمُسَاوِيَا وَقَدْ اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَخْتَلِطَ الْخَيْرُ بِالشَّرِّ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا , فَتَرْجِيحُ مَصْلَحَةٍ عَلَى مَصْلَحَةٍ , أَوْ مَفْسَدَةٍ عَلَى مَفْسَدَةٍ , أَوْ مُقَارَنَةُ الْمَفَاسِدِ بِالْمَصَالِحِ وَتَرْجِيحُ إحْدَاهَا عَلَى الْأُخْرَى , كُلُّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ أَنْ يَكُونَ الْمَصْدَرُ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ يَتَنَزَّهُ عَنْ الْأَهْوَاءِ وَالْأَغْرَاضِ , وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , لِأَنَّهُ الْغَنِيُّ عَنْ الْعَالَمِينَ , وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ لِعِبَادِهِ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِهِمْ الْعُسْرَ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ الْمَصَالِحَ ثَلَاثٌ: مَصْلَحَةٌ اعْتَبَرَهَا الشَّارِعُ بِرَغْمِ مَا قَدْ يَخْتَلِطُ بِهَا مِنْ بَعْضِ الْأَضْرَارِ الْبَسِيطَةِ , لِأَنَّ الْخَيْرَ فِيهَا أَرْجَحُ كَالْمَصْلَحَةِ فِي الصَّوْمِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَعْضِ الْمَشَاقِّ , وَالْمَصْلَحَةُ فِي الْجِهَادِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَالْأَرْوَاحِ. وَمِثْلُ ذَلِكَ يُقَالُ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ. وَهُنَاكَ مَصَالِحُ أَلْغَاهَا الشَّارِعُ إلْغَاءً تَامًّا. لِأَنَّ ضَرَرَهَا أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهَا , كَالْمَصْلَحَةِ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ , كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وَكَالْمَصْلَحَةِ فِي الرِّبَا , فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَرَّمَهُ بِأَيِّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِهِ أَوْ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِهِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وَكَذَلِكَ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. وَهُنَاكَ مَصَالِحُ سَكَتَ عَنْهَا الشَّارِعُ فَلَمْ يَعْتَبِرْهَا وَلَمْ يُلْغِهَا بِخُصُوصِهَا , فَهَذِهِ الْمَصَالِحُ إنَّمَا يُقَدِّرُهَا الْمُخْتَصُّونَ دُونَ غَيْرِهِمْ , مَعَ وُجُوبِ مُرَاعَاةِ حِمَايَتِهِمْ - قَدْرَ الْإِمْكَانِ - مِنْ ذَهَبِ الْمُعِزِّ وَسَيْفِهِ , وَأَنْ يَكُونَ الْبَتُّ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِنْ شَأْنِ الْجَمَاعَةِ لَا الْأَفْرَادِ , كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِثْلُ هَذِهِ الْمَصَالِحِ تَحْتَ التَّجْرِبَةِ , فَإِنَّ أَمْثَالَهَا تَخْتَلِفُ مِنْ عَصْرٍ إلَى عَصْرٍ. وَمِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ. فَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ حَمَلُوا أَهْلَ الْوَرَعِ مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِإِقْفَالِ بَابِ الِاجْتِهَادِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّ الْقَوْلَ بِحُرْمَةِ الِاجْتِهَادِ وَإِقْفَالِ بَابِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا لَا يَتَّفِقُ مَعَ الشَّرِيعَةِ نَصًّا وَرُوحًا , وَإِنَّمَا الْقَوْلَةُ الصَّحِيحَةُ هِيَ إبَاحَتُهُ , بَلْ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ. لِأَنَّ الْأُمَّةَ فِي حَاجَةٍ , إلَى مَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِيمَا جَدَّ مِنْ أَحْدَاثٍ لَمْ تَقَعْ فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ.

تَقْسِيمَاتُ الْفِقْهِ:

لِلْفِقْهِ تَقْسِيمَاتٌ شَتَّى لِاعْتِبَارَاتٍ شَتَّى , نَكْتَفِي مِنْهَا بِذِكْرِ التَّقْسِيمَاتِ الْآتِيَةِ:

أ - تَقْسِيمُ مَسَائِلِهِ بِاعْتِبَارِ أَدِلَّتِهِ:

42 - وَهُوَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: فِقْهٌ مُعْتَمِدٌ عَلَى أَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ فِي ثُبُوتِهَا وَدَلَالَتِهَا , كَوُجُوبِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ , وَكَحُرْمَةِ الزِّنَى وَالرِّبَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَإِبَاحَةِ الطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ. وَثَانِيهِمَا: فِقْهٌ يَعْتَمِدُ عَلَى أَدِلَّةٍ ظَنِّيَّةٍ كَتَحْدِيدِ الْقَدْرِ الْمَمْسُوحِ مِنْ الرَّأْسِ , وَالْقِرَاءَةِ الْمُتَعَيِّنَةِ فِي الصَّلَاةِ , وَتَعْيِينِ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ ذَاتِ الْحَيْضِ أَبِالطُّهْرِ أَمْ بِالْحَيْضِ؟ وَهَلْ الْخَلْوَةُ الصَّحِيحَةُ مُوجِبَةٌ لِتَمَامِ الْمَهْرِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ؟. . إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَكَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الثَّابِتَةَ بِأَدِلَّةٍ قَطْعِيَّةٍ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٦٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٦٢٨