مَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ لَا تُعْتَبَرُ فِي نَظَرِ الْأُصُولِيِّينَ فِقْهًا , وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ فِي نَظَرِ الْفُقَهَاءِ.
ب - تَقْسِيمُ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ مَوْضُوعَاتِهِ:
43 - لَمَّا كَانَ عِلْمُ الْفِقْهِ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي تُعْرَفُ مِنْهُ أَحْكَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ , اقْتِضَاءً أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا , فَإِنَّهُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا يَصْدُرُ عَنْ الْعِبَادِ. وَبِهَذَا تَعَدَّدَتْ مَوْضُوعَاتُهُ , فَالْأَحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ عَلَاقَةَ الْعَبْدِ بِاَللَّهِ تَعَالَى سُمِّيَتْ بِالْعِبَادَاتِ , سَوَاءٌ كَانَتْ هَذِهِ الْعِبَادَاتُ بَدَنِيَّةً مَحْضَةً وَهِيَ الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ , أَوْ مَالِيَّةٌ مَحْضَةٌ وَهِيَ الزَّكَاةُ , أَوْ مِنْهُمَا وَهِيَ فَرِيضَةُ الْحَجِّ. وَالْأَحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ الْأُسْرَةَ مِنْ زَوَاجٍ وَطَلَاقٍ وَنَفَقَةٍ وَحَضَانَةٍ وَوِلَايَةٍ وَنَسَبٍ وَمَا يَتَّصِلُ بِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهَا الْآنَ فِقْهُ الْأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ , وَأَلْحَقُوا بِهَا الْوَصَايَا وَالْإِرْثَ لِاتِّصَالِهِمَا الْوَثِيقِ بِأَحْكَامِ الْأُسْرَةِ. وَالْأَحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ مُعَامَلَاتِ النَّاسِ مِنْ بَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَشَرِكَةٍ - بِكُلِّ صُوَرِهَا - وَرَهْنٍ وَكَفَالَةٍ وَوَكَالَةٍ وَهِبَةٍ وَإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ قَدْ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا الْآنَ اسْمَ الْقَانُونِ الْمَدَنِيِّ أَوْ التِّجَارِيِّ. وَالْأَحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ الْقَضَاءَ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ طُرُقِ الْإِثْبَاتِ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا اسْمَ قَانُونِ الْمُرَافَعَاتِ. وَالْأَحْكَامُ الَّتِي تُنَظِّمُ عَلَاقَةَ الْحَاكِمِ بِالْمَحْكُومِينَ , وَالْمَحْكُومِينَ بِالْحَاكِمِ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا الْآنَ اسْمَ الْقَانُونِ الدُّسْتُورِيِّ. وَالْأَحْكَامُ الَّتِي نَظَّمَتْ عَلَاقَةَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِهِمْ سِلْمًا وَحَرْبًا قَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ الْقُدَامَى اسْمَ السِّيَرِ , وَسَمَّاهَا الْمُحَدِّثُونَ بِاسْمِ الْقَانُونِ الدُّوَلِيِّ. وَالْأَحْكَامُ الَّتِي تَتَنَاوَلُ تَصَرُّفَاتِ الْعِبَادِ فِي مَأْكَلِهِمْ وَمَلْبَسِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا الْفُقَهَاءُ مَسَائِلَ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ. وَالْأَحْكَامُ الَّتِي حَدَّدَتْ الْجَرَائِمَ وَالْعُقُوبَاتِ قَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا فُقَهَاؤُنَا اسْمَ الْحُدُودِ وَالْجِنَايَاتِ وَالتَّعْزِيرَاتِ , وَسَمَّاهَا الْمُحَدِّثُونَ بِاسْمِ الْقَانُونِ الْجَزَائِيِّ أَوْ الْجِنَائِيِّ. وَمِنْ هَذَا الْبَيَانِ الْمُخْتَصَرِ يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ الْفِقْهَ تَنَاوَلَ كُلَّ مَا يَتَّصِلُ بِالْإِنْسَانِ , فَلَيْسَ قَاصِرًا - كَمَا يَزْعُمُ الْبَعْضُ - عَلَى تَنْظِيمِ عَلَاقَةِ الْإِنْسَانِ بِرَبِّهِ , فَمَنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ إمَّا جَاهِلٌ أَوْ مُتَجَاهِلٌ بِالْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ وَمَوْضُوعَاتِهِ.
ج - تَقْسِيمُ الْفِقْهِ بِاعْتِبَارِ حِكْمَتِهِ:
44 - تَنْقَسِمُ مَسَائِلُ الْفِقْهِ مِنْ حَيْثُ إدْرَاكُ حِكْمَةِ التَّشْرِيعِ فِيهِ أَوْ عَدَمُ إدْرَاكِهَا إلَى قِسْمَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: أَحْكَامٌ مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى , وَقَدْ تُسَمَّى أَحْكَامًا مُعَلَّلَةً , وَهِيَ تِلْكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي تُدْرَكُ حِكْمَةُ تَشْرِيعِهَا , إمَّا لِلتَّنْصِيصِ عَلَى هَذِهِ الْحِكْمَةِ , أَوْ يُسْرِ اسْتِنْبَاطِهَا. وَهَذِهِ الْمَسَائِلُ هِيَ الْأَكْثَرُ فِيمَا شَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , حَيْثُ: لَمْ يَمْتَحِنَّا بِمَا تَعْيَا الْعُقُولُ بِهِ حِرْصًا عَلَيْنَا فَلَمْ نَرْتَبْ وَلَمْ نَهِمْ وَذَلِكَ كَتَشْرِيعِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ فِي الْجُمْلَةِ , وَكَتَشْرِيعِ إيجَابِ الْمَهْرِ فِي النِّكَاحِ , وَالْعِدَّةِ فِي الطَّلَاقِ وَالْوَفَاةِ , وَوُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ , وَكَتَشْرِيعِ الطَّلَاقِ عِنْدَمَا تَتَعَقَّدُ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ. . . إلَى آلَافِ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ. وَثَانِيهِمَا: أَحْكَامٌ تَعَبُّدِيَّةٌ , وَهِيَ تِلْكَ الْأَحْكَامُ الَّتِي لَا تُدْرَكُ فِيهَا الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْحُكْمِ الْمُرَتِّبِ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ كَعَدَدِ الصَّلَوَاتِ وَعَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَكَأَكْثَرِ أَعْمَالِ الْحَجِّ. وَمِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَحْكَامِ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى. وَتَشْرِيعُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ التَّعَبُّدِيَّةِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ اخْتِبَارُ الْعَبْدِ هَلْ هُوَ مُؤْمِنٌ حَقًّا؟