عُلَمَاءُ مُتَخَصِّصُونَ , عَلَى عِلْمٍ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَمَوَاطِنِ الْإِجْمَاعِ وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ. كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا عَلَى خِبْرَةٍ تَامَّةٍ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ , وَدُوِّنَتْ بِهَا السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ , وَأَنْ يَكُونُوا قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ , لَا يَخْشَوْنَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ , لِتَرْجِعَ إلَيْهِمْ الْأُمَّةُ فِيمَا نَزَلَ بِهَا مِنْ أَحْدَاثٍ , وَمَا يُجِدُّ مِنْ نَوَازِلَ , وَأَلَّا يُفْتَحَ بَابُ الِاجْتِهَادِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ , فَيَلِجَ فِيهِ مَنْ لَا يُحْسِنُ قِرَاءَةَ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي الْمُصْحَفِ , كَمَا لَا يُحْسِنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَشْتَاتِ الْمَوْضُوعِ , وَيُرَجِّحُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ. وَاَلَّذِينَ أَفْتَوْا بِإِقْفَالِ بَابِ الِاجْتِهَادِ إنَّمَا نَزَعُوا عَنْ خَوْفٍ مِنْ أَنْ يَدَّعِيَ الِاجْتِهَادَ أَمْثَالُ هَؤُلَاءِ , وَأَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ , فَيَقُولُونَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَلَا بُرْهَانٍ , وَإِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ إرْضَاءً لِلْحُكَّامِ. وَلَقَدْ رَأَيْنَا بَعْضَ مَنْ يَدَّعِي الِاجْتِهَادَ يَتَوَهَّمُ أَنَّ الْقَوْلَ بِكَذَا وَكَذَا فِيهِ تَرْضِيَةٌ لِهَؤُلَاءِ السَّادَةِ , فَيَسْبِقُونَهُمْ بِالْقَوْلِ. وَيَعْتَمِدُ هَؤُلَاءِ الْحُكَّامُ عَلَى آرَاءِ هَؤُلَاءِ الْمُدَّعِينَ. فَقَدْ رَأَيْنَا فِي عَصْرِنَا هَذَا مَنْ أَفْتَى بِحِلِّ الرِّبَا الِاسْتِغْلَالِيِّ دُونَ الِاسْتِهْلَاكِيِّ , بَلْ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِحِلِّهِ مُطْلَقًا , لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ - فِي زَعْمِهِ - تُوجِبُ الْأَخْذَ بِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَفْتَى بِجَوَازِ الْإِجْهَاضِ ابْتِغَاءَ تَحْدِيدِ النَّسْلِ , لِأَنَّ بَعْضَ الْحُكَّامِ يَرَى هَذَا الرَّأْيَ , وَيُسَمِّيهِ تَنْظِيمَ الْأَسِرَّةِ , وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ إقَامَةَ الْحُدُودِ لَا تَثْبُتُ إلَّا عَلَى مَنْ اعْتَادَ الْجَرِيمَةَ الْمُوجِبَةَ لِلْحَدِّ , وَمِنْهُمْ. . . وَمِنْهُمْ. . .
مَصَادِرُ الِاجْتِهَادِ:
39 - بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ عُلَمَاءَ الْأُمَّةِ جَمِيعًا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ , وَعَلَيْهِ فَإِنَّ مَصْدَرَ الْأَحْكَامِ كُلِّهَا مِنْهُ تَعَالَى بِوَاسِطَةِ الْوَحْيِ. وَالْوَحْيُ إمَّا مَتْلُوٌّ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ , أَوْ غَيْرُ مَتْلُوٍّ وَهُوَ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ الْمُطَهَّرَةُ , فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم بِصِفَتِهِ رَسُولًا لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَصَادِرَ الْأَحْكَامِ كُلَّهَا تَرْجِعُ إلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِصِفَةٍ مُبَاشَرَةٍ. أَمَّا الْإِجْمَاعُ - إذَا تَحَقَّقَ - فَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , لِأَنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ. وَأَمَّا الْقِيَاسُ - عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهِ - فَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ظَنِّ الْمُجْتَهِدِ , وَهَذَا الظَّنُّ كَافٍ فِي الِاحْتِجَاجِ مَتَى تَوَفَّرَتْ شُرُوطُ الْقِيَاسِ الصَّحِيحِ , سَوَاءٌ قُلْنَا بِأَنَّ الْحَقَّ لَا يَتَعَدَّدُ أَمْ قُلْنَا بِغَيْرِ ذَلِكَ. وَسَيَتَبَيَّنُ لَنَا مِنْ الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ تَوْضِيحُ ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ ,
إلَّا أَنَّنَا سَنَتَنَاوَلُ مَسْأَلَتَيْنِ عَاجِلَتَيْنِ كَثُرَ الْحَدِيثُ عَنْهُمَا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ.
أ - الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: (حَوْلَ السُّنَّةِ)
40 - أَثَارَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ السُّنَّةَ لَيْسَتْ مَصْدَرًا لِلتَّشْرِيعِ , وَسَمُّوا أَنْفُسَهُمْ بِالْقُرْآنِيِّينَ , وَقَالُوا: إنَّ أَمَامَنَا الْقُرْآنَ , نُحِلُّ حَلَالَهُ , وَنُحَرِّمُ حَرَامَهُ , وَالسُّنَّةُ كَمَا يَزْعُمُونَ قَدْ دُسَّ فِيهَا أَحَادِيثُ مَكْذُوبَةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَهَؤُلَاءِ امْتِدَادٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ نَبَّأَنَا عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ الْمِقْدَامِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ﴿يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدَّثُ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِي فَيَقُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ , فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَلَالٍ اسْتَحْلَلْنَاهُ , وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ مِنْ حَرَامٍ حَرَّمْنَاهُ , أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِقُرْآنِيِّينَ , لِأَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ أَوْجَبَ طَاعَةَ الرَّسُولِ فِيمَا يَقْرُبُ مِنْ مِائَةِ آيَةٍ , وَاعْتَبَرَ طَاعَةَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ