مُجْتَهِدِينَ , بَلْ كَانَ الْمُجْتَهِدُونَ قِلَّةً قَلِيلَةً , وَكَانَ الْمُكْثِرُونَ مِنْهُمْ لَا يَتَجَاوَزُونَ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ شَخْصًا. عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَجْتَهِدَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ مَتَى تَوَفَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُهُ وَتَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُهُ الَّتِي سَنُبَيِّنُهَا بِالتَّفْصِيلِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - فِي الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ لِهَذِهِ الْمَوْسُوعَةِ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ بَعْضَ هَؤُلَاءِ الْمُغَالِينَ يَقُولُ: إنَّهُ يَكْفِي الشَّخْصَ لِيَكُونَ مُجْتَهِدًا أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ مُصْحَفٌ وَسُنَنُ أَبِي دَاوُد وَقَامُوسٌ لُغَوِيٌّ , فَيُصْبِحُ بِذَلِكَ مُجْتَهِدًا لَا حَاجَةَ لَهُ إلَى تَقْلِيدِ إمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ , فَلَوْ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْمُصْحَفِ وَبِسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالْقَامُوسِ لَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كُلُّهُمْ مُجْتَهِدِينَ , لِأَنَّهُمْ إمَّا عَرَبٌ خُلَّصٌ , أَوْ نَشَئُوا فِي بِيئَةِ عَرَبِيَّةٍ خَالِصَةٍ , وَشَاهَدُوا أَحْدَاثَ التَّنْزِيلِ , وَقَرِيبُو عَهْدٍ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَلِكَ الِادِّعَاءُ يُكَذِّبُهُ الْوَاقِعُ. وَالْقَوْلُ بِأَنَّ تَقْلِيدَ الْأَئِمَّةِ فِي الْأُمُورِ الظَّنِّيَّةِ شِرْكٌ وَتَأْلِيهٌ لَهُمْ قَوْلٌ لَا أَصْلَ لَهُ , فَلَيْسَ هُنَاكَ أُمِّيٌّ - فَضْلًا عَنْ مُتَعَلِّمٍ - يَرَى أَنَّ لِلْأَئِمَّةِ حَقَّ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى , بَلْ كُلُّ مَا يُعْتَقَدُ فَهْمُ أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ أَوْ ذَاكَ مَوْثُوقٌ بِعِلْمِهِ , مَوْثُوقٌ بِدِينِهِ , أَمِينٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ غَيْرُ مُتَّهَمٍ. وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الِاجْتِهَادَ وَيُدْعَوْنَ إلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ لَا يُحْسِنُ أَحَدُهُمْ أَنْ يَقْرَأَ آيَةً صَحِيحَةً مِنْ الْمُصْحَفِ , فَضْلًا عَنْ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْهَا حُكْمًا شَرْعِيًّا , فَأَقَلُّ مَا يَجِبُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهِ الْمُجْتَهِدُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّقًا فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ , عَالِمًا بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ , وَالْعَامِّ وَالْخَاصِّ وَالْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ , إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَطَلَّبُ إعْدَادًا خَاصًّا لَا يَتَوَفَّرُ إلَّا لِلْقِلَّةِ الْقَلِيلَةِ الْمُتَفَرِّغَةِ.
37 - وَبِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ لَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمُسْلِمُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الضَّرُورِيِّ أَنْ يَلْتَزِمَ الشَّخْصُ مَذْهَبًا خَاصًّا فِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ. بَلْ , إذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ , أَوْ عَرَضَتْ لَهُ مُشْكِلَةٌ , فَعَلَيْهِ أَنْ يَلْتَمِسَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ مِنْ شَخْصٍ مَوْثُوقٍ بِعِلْمِهِ , مَوْثُوقٍ بِدِينِهِ , يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ قَلْبُهُ. وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسَائِلِ الْمَعْلُومَةِ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ , فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهَا قَوْلٌ لِقَائِلٍ غَيْرِ مَا عُرِفَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ. فَمَهْمَا أَفْتَى بَعْضُ النَّاسِ بِحِلِّ الرِّبَا , أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ , أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ وَالِاسْتِعَاضَةِ عَنْهَا بِالصَّدَقَةِ مَثَلًا , فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ , وَلَا تَكُونُ فَتْوَى مِثْلِ هَؤُلَاءِ عُذْرًا يُعْتَذَرُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
إقْفَالُ بَابِ الِاجْتِهَادِ:
38 - مَا إنْ أَهَلَّ الْقَرْنُ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ حَتَّى نَادَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِإِقْفَالِ بَابِ الِاجْتِهَادِ , وَقَالُوا: لَمْ يَتْرُكْ الْأَوَائِلُ لِلْأَوَاخِرِ شَيْئًا. وَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ قُصُورَ الْهِمَمِ. وَخَرَابَ الذِّمَمِ , وَتَسَلُّطَ الْحُكَّامِ الْمُسْتَبِدِّينَ , وَخَشْيَةَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلِاجْتِهَادِ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ , إمَّا رَهْبَةً أَوْ رَغْبَةً , فَسَدًّا لِلذَّرَائِعِ أَفْتَوْا بِإِقْفَالِ بَابِ الِاجْتِهَادِ. وَتَعَرَّضَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَ الْأَوَائِلَ فِي آرَائِهِمْ لِسَخَطِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ , وَلَكِنْ مَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ يَظْهَرُ بَيْنَ الْفَيْنَةِ وَالْفَيْنَةِ مَنْ ادَّعَى الِاجْتِهَادَ , أَوْ اُدُّعِيَ لَهُ , وَكَانَتْ لَهُمْ اجْتِهَادَاتٌ لَا بَأْسَ بِهَا كَابْنِ تَيْمِيَّةَ , وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ الْقَيِّمِ , وَالْكَمَالِ بْنِ الْهُمَامِ الْحَنَفِيِّ الْمَذْهَبِ. فَقَدْ كَانَتْ لَهُ اجْتِهَادَاتٌ خَرَجَ فِيهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. . .
وَمِنْ هَؤُلَاءِ تَاجُ الدِّينِ السُّبْكِيّ صَاحِبُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ , وَأَبُوهُ مِنْ قَبْلِهِ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَقَدْ كَانَ اجْتِهَادُ هَؤُلَاءِ لَا يَخْرُجُ عَنْ تَرْجِيحِ رَأْيٍ عَلَى رَأْيٍ , أَوْ حَلٍّ لِمُشْكِلَةٍ عَارِضَةٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهَا الْأَئِمَّةُ الْمُتَقَدِّمُونَ. وَاَلَّذِي نَدِينُ اللَّهَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي الْأُمَّةِ