كَانَتْ مُلْتَزَمَةً , كَشَأْنِ عِلْمِ النَّحْوِ مَثَلًا , فَقَدْ كَانَ الْعَرَبُ قَبْلَ تَدْوِينِهِ يَلْتَزِمُونَ رَفْعَ الْفَاعِلِ وَنَصْبَ الْمَفْعُولِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْتَزِمُوا تِلْكَ الْمُصْطَلَحَاتِ الْعِلْمِيَّةَ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ تَدْوِينَ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ جَاءَ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَدْوِينِ الْفِقْهِ , وَإِنْ كَانَا - مِنْ حَيْثُ الْوُجُودُ - مُتَعَاصِرَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ.
30 - وَفِي هَذَا الْعَهْدِ - أَيْضًا - ظَهَرَ الْفِقْهُ الِافْتِرَاضِيُّ (التَّقْدِيرِيُّ) وَقَدْ عَظُمَ هَذَا اللَّوْنُ مِنْ الْفِقْهِ فِي مَدْرَسَةِ الْعِرَاقِ مِنْ قَبْلِ ظُهُورِ أَبِي حَنِيفَةَ صلى الله عليه وسلم وَتَلَامِيذِهِ , وَإِنْ كَانَ قَدْ تَزَايَدَ الِاشْتِغَالُ بِهَذَا الْفَنِّ فِي عَهْدِهِمْ وَعَهْدِ تَلَامِيذِهِمْ. وَكَانَ الْفُقَهَاءُ - أَمَامَ هَذَا اللَّوْنِ مِنْ الْفِقْهِ - عَلَى ضَرْبَيْنِ. كَارِهُونَ لَهُ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ غَيْرُ مُجِدٍّ , وَقَدْ يَجُرُّ إلَى الْجَدَلِ الْمُفْضِي إلَى النِّزَاعِ. وَآخَرُونَ يُؤَيِّدُونَهُ وَيَقُولُونَ: إنَّمَا نَعُدُّ لِكُلِّ حَادِثَةٍ حُكْمَهَا حَتَّى إذَا وَقَعَتْ لَا نَتَحَيَّرُ فِي مَعْرِفَةِ هَذَا الْحُكْمِ. وَلِكُلِّ رَأْيٍ وُجْهَتُهُ وَوَجَاهَتُهُ. وَلَسْنَا بِصَدَدِ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ الرَّأْيَيْنِ , وَإِنْ كُنَّا نَرَى أَنَّ الْإِسْرَافَ فِي هَذَا اللَّوْنِ مِنْ الْفِقْهِ بِافْتِرَاضِ مَسَائِلَ مُسْتَحِيلَةِ الْوُقُوعِ عَادَةً اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُجْدِي وَعَبَثٌ , وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْعَابِثِينَ. وَأَمَّا افْتِرَاضُ مَسَائِلَ مُمْكِنَةِ الْوُقُوعِ وَلَكِنْ لَمْ تَقَعْ فَلَا بَأْسَ بِهِ , فَقَدْ رَأَيْنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ مَسَائِلَ مَنْثُورَةً كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ يَرَوْنَهَا مُسْتَحِيلَةً الْوُقُوعِ قَدْ وَقَعَتْ بِالْفِعْلِ كَانْقِلَابِ الْجِنْسِ مِنْ الذُّكُورَةِ إلَى الْأُنُوثَةِ وَبِالْعَكْسِ , وَكَمَسَائِلِ التَّلْقِيحِ الصِّنَاعِيِّ , إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَقْلِ الْأَعْضَاءِ مِنْ الْمَوْتَى إلَى الْأَحْيَاءِ , أَوْ مِنْ الْأَحْيَاءِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ , فَإِنَّ الْفِقْهَ الِافْتِرَاضِيَّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فَتَحَ لَنَا بَابًا كَانَ يَصْعُبُ عَلَيْنَا أَنْ نَلِجَهُ. وَقَدْ مَهَّدَ الْفُقَهَاءُ الْقُدَامَى رضي الله عنهم لَنَا طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا.
طَبَقَاتُ الْمُجْتَهِدِينَ وَالْفُقَهَاءِ:
31 - فِي هَذِهِ الْفِقْرَةِ سَنُبَيِّنُ طَبَقَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى سَبِيلِ السَّرْدِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْبَسْطِ , لِأَنَّ بَسْطَ هَذَا الْمَوْضُوعِ تَكَفَّلَ بِهِ عِلْمُ تَارِيخِ التَّشْرِيعِ وَكُتُبُ طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الْمُجْتَهِدِينَ إلَى الطَّبَقَاتِ الْآتِيَةِ:
أ - (الْمُجْتَهِدُونَ الْكِبَارُ) وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَذَاهِبِ الْمَعْرُوفَةِ وَالْمُنْدَثِرَةِ , وَكُلٌّ مِنْهُمْ لَهُ مَنْهَجُهُ الْخَاصُّ فِي الِاجْتِهَادِ تَأْصِيلًا وَتَفْرِيعًا , كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ , الَّتِي يَعْتَنِقُهَا الْكَثْرَةُ الْكَاثِرَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. وَكَانَ يُعَاصِرُ هَؤُلَاءِ أَئِمَّةٌ لَا يَقِلُّونَ عَنْهُمْ مَنْزِلَةً - وَإِنْ انْدَثَرَتْ مَذَاهِبُهُمْ كَالْأَوْزَاعِيِّ بِالشَّامِ , وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِمِصْرَ , وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالثَّوْرِيِّ بِالْعِرَاقِ. . . إلَى غَيْرِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ زَخَرَتْ بِهِمْ كُتُبُ الْخِلَافِ وَالتَّفَاسِيرِ وَشُرُوحِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ.
ب - (الْمُجْتَهِدُونَ الْمُنْتَسِبُونَ) وَهُمْ أَصْحَابُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ وَتَلَامِيذُهُمْ. وَهُمْ يَتَّفِقُونَ مَعَ إمَامِهِمْ فِي الْقَوَاعِدِ وَالْأُصُولِ. وَقَدْ يَخْتَلِفُونَ مَعَهُ فِي التَّفْرِيعِ. وَآرَاؤُهُمْ تُعْتَبَرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الَّذِي يَنْتَسِبُونَ إلَيْهِ , حَتَّى وَلَوْ كَانَ رَأْيُهُ غَيْرَ مَرْوِيٍّ عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ , وَكَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ , وَكَالْمُزَنِيِّ لِلشَّافِعِيِّ. أَمَّا أَصْحَابُ أَحْمَدَ فَكَانُوا رُوَاةً فَقَطْ لِأَحَادِيثِهِ وَآرَائِهِ الْفِقْهِيَّةِ وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ خَالَفَ إمَامَهُ فِي أَصْلٍ أَوْ فَرْعٍ. وَمِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ وَأَبُو دَاوُد السِّجِسْتَانِيُّ وَأَبُو إسْحَاقَ الْحَرْبِيُّ.