وَمِنْهُمْ مَنْ اتَّجَهَ إلَى الِاشْتِغَالِ بِالْمَسَائِلِ النَّظَرِيَّةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْعَقِيدَةِ , كَالتَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيَّيْنِ , وَرُؤْيَةِ اللَّهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ , فَإِنَّنَا نَرَى أَنَّ الْمُشْتَغِلِينَ بِالْفِقْهِ - فِي هَذَا الْعَهْدِ - كَانُوا يُعْتَبَرُونَ مِنْ حَمَلَةِ السُّنَّةِ , وَمُفَسَّرِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ , مَعَ إحَاطَتِهِمْ بِأَسْرَارِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِالْقَدْرِ الَّذِي يُسَاعِدُهُمْ عَلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ. وَلِهَذَا كَانَتْ مَنْزِلَةُ الْفُقَهَاءِ فِي هَذَا الْعَهْدِ مَنْزِلَةً مَرْمُوقَةً يَحْسِبُ لَهَا الْحُكَّامُ أَلْفَ حِسَابٍ , كَمَا أَنَّ الْعَامَّةَ كَانُوا يُقَدِّرُونَهُمْ حَقَّ قَدْرِهِمْ , وَيَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ فِي حَلِّ مَشَاكِلِهِمْ , وَيَعْتَبِرُونَهُمْ مَصَابِيحَ هَذِهِ الْأُمَّةِ , بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنْ مَرَاكِزِهِمْ السِّيَاسِيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ. نَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ لَا الْحَصْرِ: الزُّهْرِيَّ وَحَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ شَيْخَ أَبِي حَنِيفَةَ.
26 - وَفِي أَوَاخِرِ هَذَا الطَّوْرِ بَدَأَتْ تَظْهَرُ الْمَذَاهِبُ الْفِقْهِيَّةُ الْمُتَمَيِّزَةُ. كَمَا أَنَّ هَذَا الطَّوْرَ شَهِدَ تَطَوُّرَ التَّدْوِينِ , فَبَعْدَ أَنْ كَانَ التَّدْوِينُ مُخْتَلِطًا بَدَأَ يَأْخُذُ طَرِيقَ التَّنْظِيمِ , وَكَانَ هَذَا الطَّوْرُ تَمْهِيدًا لِلطَّوْرِ الْخَامِسِ , وَهُوَ طَوْرُ الْأَئِمَّةِ الْعِظَامِ.
(الطَّوْرُ الْخَامِسُ: طَوْرُ الِاجْتِهَادِ):
27 - وَيَبْدَأُ هَذَا الطَّوْرُ مَعَ بَدْءِ النَّهْضَةِ الْعِلْمِيَّةِ الشَّامِلَةِ فِي الدَّوْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ , مِنْ أَوَاخِرِ عَهْدِ الْأُمَوِيِّينَ إلَى نِهَايَةِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ تَقْرِيبًا , وَكَمَا قُلْنَا مِرَارًا وَتَكْرَارًا لَا يُمْكِنُ الْمُؤَرِّخَ أَنْ يَضَعَ حُدُودًا زَمَنِيَّةً مُعَيَّنَةً بَدْءًا وَنِهَايَةً , كَمَا يُمْكِنُ أَنْ نَقُولَ: إنَّ هَذَا الطَّوْرَ يَتَنَاوَلُ عَهْدَ الْأَئِمَّةِ الْعِظَامِ , وَالْأَئِمَّةِ الْمُنْتَسِبِينَ وَمُجْتَهِدِي الْمَذَاهِبِ وَأَهْلَ التَّرْجِيحِ. كَمَا أَنَّ هَذَا الْعَهْدَ يَتَنَاوَلُ عَهْدَ تَدْوِينِ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ عَلَى الصُّورَةِ الْعِلْمِيَّةِ الدَّقِيقَةِ. وَقَبْلَ أَنْ نَتَنَاوَلَ تَمْيِيزَ الْمُجْتَهِدِينَ وَطَبَقَاتِهِمْ يَجِبُ أَنْ نُبْرِزَ أَنَّ هَذَا الْعَهْدَ شَهِدَ مَوْلِدَ عِلْمٍ جَدِيدٍ , لَهُ اتِّصَالٌ وَثِيقٌ بِالْفِقْهِ وَهُوَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ. . . .
عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ:
28 - هَذَا الْعِلْمُ وُلِدَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ , وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ دَوَّنَ هَذَا الْعِلْمَ هُوَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رضي الله عنه , وَذَهَبَ ابْنُ النَّدِيمِ فِي " الْفِهْرِسْتِ " أَنَّ أَوَّلَ مِنْ أَلَّفَ فِيهِ هُوَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَأَيًّا مَا كَانَ فَإِنَّ أَقْدَمَ مُؤَلَّفٍ فِي هَذَا الْعِلْمِ وَصَلَ إلَيْنَا هُوَ رِسَالَةُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رضي الله عنه. وَهَذَا الْعِلْمُ قَدْ بَيَّنَ الْقَوَاعِدَ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَلْتَزِمَهَا فِي اسْتِنْبَاطِهِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ سَوَاءٌ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الْقِيَاسِ. وَقَدْ وَضَعَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ لِيُبَيِّنَ مِنْهَاجَهُ فِي الِاجْتِهَادِ. وَكَأَيِّ عِلْمٍ أَوْ كَائِنٍ حَيٍّ يُولَدُ صَغِيرًا ثُمَّ يَكْبَرُ , فَهَذَا الْعِلْمُ قَدْ أَخَذَ أَطْوَارًا , وَأُدْخِلَتْ فِيهِ مَبَاحِثُ مِنْ عُلُومٍ أُخْرَى رَأَى الْمُؤَلِّفُونَ فِيهِ أَنَّ لَهَا صِلَةً بِالِاجْتِهَادِ. بَلْ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَقَدْ تَنَاوَلَ هَذَا الْعِلْمُ مَبَاحِثَ نَظَرِيَّةً بَحْتَةً. وَقَدْ تَقَلَّبَ هَذَا الْعِلْمُ مَا بَيْنَ مَوْسُوعَاتٍ وَمُخْتَصَرَاتٍ , سَنَتَنَاوَلُ - بِإِذْنِ اللَّهِ - بَيَانُهَا بِالتَّفْصِيلِ عِنْدَمَا نُقَدِّمُ الْمُلْحَقَ الْخَاصَّ بِعِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ.
29 - وَلَا يَظُنَّنَّ ظَانٌّ أَنَّ الِاجْتِهَادَ قَبْلَ تَدْوِينِ هَذَا الْعِلْمِ لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَى قَوَاعِدَ مُلْتَزَمَةٍ , بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ , فَقَدْ كَانَ الْمُجْتَهِدُونَ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ إلَى عَهْدِ تَدْوِينِ أُصُولِ الْفِقْهِ يَلْتَزِمُونَ قَوَاعِدَ ثَابِتَةً , وَإِنْ اخْتَلَفَ رَأْيُ فَقِيهٍ عَنْ فَقِيهٍ فِي بَعْضِ الْقَوَاعِدِ فَإِنَّ اخْتِلَافَهُمْ كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى تَحَرِّي الصَّوَابِ قَدْرَ الْإِمْكَانِ , وَالِابْتِعَادِ عَنْ تَحْكِيمِ الْهَوَى وَالْقَوْلِ بِالتَّشَهِّي فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. نَعَمْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْقَوَاعِدُ مُدَوَّنَةً , وَإِنْ