ج - (مُجْتَهِدُو الْمَذَاهِبِ) وَهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ مَعَ أَئِمَّتِهِمْ لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ , وَلَكِنْ يُخَرِّجُونَ الْمَسَائِلَ الَّتِي لَمْ يَرِدْ عَنْ الْإِمَامِ وَأَصْحَابِهِ رَأْيٌ فِيهَا , مُلْتَزِمِينَ مَنْهَجَ الْإِمَامِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ. وَرُبَّمَا يُخَالِفُونَ إمَامَهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْعُرْفِ. وَيُعَبِّرُونَ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ قَبِيلِ اخْتِلَافِ الدَّلِيلِ وَالْبُرْهَانِ , وَلَكِنْ لِاخْتِلَافِ الْعُرْفِ وَالزَّمَانِ , بِحَيْثُ لَوْ اطَّلَعَ إمَامُهُمْ عَلَى مَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ لَذَهَبَ إلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ فِي تَحْقِيقِ الْمَذْهَبِ وَتَثْبِيتِ قَوَاعِدِهِ وَجَمْعِ شَتَاتِهِ.
د - (الْمُجْتَهِدُونَ الْمُرَجِّحُونَ) وَهَؤُلَاءِ مُهِمَّتُهُمْ تَرْجِيحُ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَلَى بَعْضٍ , مُرَاعِينَ الْقَوَاعِدَ الَّتِي وَضَعَهَا الْمُتَقَدِّمُونَ فِي هَذَا الْبَابِ , وَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ جَعَلُوا هَاتَيْنِ الطَّبَقَتَيْنِ: ج , د طَبَقَةً وَاحِدَةً.
هـ - طَبَقَةُ الْمُسْتَدِلِّينَ: وَهَؤُلَاءِ لَا يَسْتَنْبِطُونَ وَلَا يُرَجِّحُونَ قَوْلًا عَلَى قَوْلٍ , وَلَكِنْ يَسْتَدِلُّونَ لِلْأَقْوَالِ , وَيُبَيِّنُونَ مَا اعْتَمَدَتْ عَلَيْهِ , وَيُوَازِنُونَ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِلْحُكْمِ , وَلَا بَيَانٍ لِمَا هُوَ أَجْدَرُ بِالْعَمَلِ. وَأَنْتَ إذَا دَقَّقْت النَّظَرَ رَأَيْت أَنَّ هَذِهِ الطَّبَقَةَ لَا تَقِلُّ قَدْرًا عَنْ سَابِقَتَيْهَا , إذْ لَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتِغَالُهُمْ بِالِاسْتِدْلَالِ لِلْأَحْكَامِ لَا يَنْتَهِي إلَى تَرْجِيحِ رَأْيٍ عَلَى رَأْيٍ. وَمِنْ هُنَا فَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الطَّبَقَاتُ الثَّلَاثُ مُتَدَاخِلَةً.
32 - وَمِمَّنْ عُدُّوا فِي هَذِهِ الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ كَمُجْتَهِدِي مَذْهَبٍ , أَوْ مِنْ أَهْلِ التَّرْجِيحِ , أَوْ الْمُسْتَدِلِّينَ , مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ , وَأَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ , وَالْجَصَّاصُ الرَّازِيُّ , وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ , وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ , وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ إلَخْ. وَمِنْ الْمَالِكِيَّةِ: أَبُو سَعِيدٍ الْبَرَادِعِيُّ , وَاللَّخْمِيُّ , وَالْبَاجِيِّ , وَابْنُ رُشْدٍ , وَالْمَازِرِيُّ , وَابْنُ الْحَاجِبِ , وَالْقَرَافِيُّ. وَمِنْ الشَّافِعِيَّةِ: أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ , وَالْقَفَّالُ الْكَبِيرُ الشَّاشِيُّ , وَحُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ. وَمِنْ الْحَنَابِلَةِ: أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ , وَأَبُو الْقَاسِمِ الْخِرَقِيُّ , وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الْكَبِيرُ. وَبِالرُّجُوعِ إلَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ نَجِدُ أَنَّ الْمُؤَرِّخِينَ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِمْ وَفِي طَبَقَاتِهِمْ , وَلَكِنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ قَدَمُ صِدْقٍ فِي تَثْبِيتِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ , وَلَهُمْ الْأَثَرُ الْبَعِيدُ فِي بَقَائِهَا وَتَثْبِيتِ أَرْكَانِهَا.
33 - الْمُقَلِّدُونَ: وَهَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ اجْتِهَادٌ , وَإِنَّمَا عَمَلُهُمْ فِي قُوَّةِ النَّقْلِ. وَهُمْ طَبَقَتَانِ: طَبَقَةُ الْحُفَّاظِ , وَطَبَقَةُ الِاتِّبَاعِ الْمُجَرَّدِ.
أ - (طَبَقَةُ الْحُفَّاظِ):
هُمْ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ أَكْثَرَ أَحْكَامِ الْمَذْهَبِ وَرِوَايَاتِهِ , وَهُمْ حُجَّةٌ فِي النَّقْلِ لَا فِي الِاجْتِهَادِ , فَهُمْ حُجَّةٌ فِي نَقْلِ الرِّوَايَاتِ , وَبَيَانِ أَوْضَحِهَا , وَنَقْلِ أَقْوَى الْآرَاءِ تَرْجِيحًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرَجِّحُوا. وَيَقُولُ فِيهِمْ ابْنُ عَابِدِينَ: وَإِنَّهُمْ الْقَادِرُونَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَقْوَى وَالْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ , وَظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَةِ النَّادِرَةِ , كَأَصْحَابِ الْمُتُونِ الْمُعْتَبَرَةِ كَصَاحِبِ الْكَنْزِ وَصَاحِبِ تَنْوِيرِ الْأَبْصَارِ وَصَاحِبِ الْوِقَايَةِ وَصَاحِبِ الْمَجْمَعِ. وَشَأْنُهُمْ أَلَّا يَنْقُلُوا فِي كُتُبِهِمْ الْأَقْوَالَ الْمَرْدُودَةَ وَالرِّوَايَاتِ الضَّعِيفَةَ , وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ عَمَلُهُمْ التَّرْجِيحَ , وَلَكِنْ مَعْرِفَةُ دَرَجَاتِ التَّرْجِيحِ وَتَرْتِيبِهَا عَلَى حَسَبِ مَا قَامَ بِهِ الْمُرَجِّحُونَ , وَيَخْتَلِفُونَ حِينَئِذٍ فِي نَقْلِ التَّرْجِيحِ , فَقَدْ يَنْقُلُ بَعْضُهُمْ تَرْجِيحَ رَأْيٍ عَلَى رَأْيٍ , وَيَنْقُلُ الْآخَرُ خِلَافَ ذَلِكَ , فَيَخْتَارُ مِنْ أَقْوَالِ الْمُرَجِّحِينَ أَقْوَاهَا تَرْجِيحًا وَأَكْثَرَهَا اعْتِمَادًا عَلَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ , أَوْ مَا يَكُونُ أَكْثَرَ عَدَدًا , أَوْ مَا يَكُونُ صَاحِبُهُ