20 - يُعْتَبَرُ هَذَا الْعَهْدُ - فِي الْجُمْلَةِ - امْتِدَادًا لِعَهْدِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَيْثُ عَدَمُ تَدْوِينِ شَيْءٍ سِوَى الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ , اللَّهُمَّ إلَّا النَّزْرَ الْيَسِيرَ كَمَا تَقَدَّمَ , كَمَا لَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ هَذَا الْعَهْدِ أَنَّهُ بَنَى رَأْيًا عَلَى نَظَرِيَّةٍ قَانُونِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْمَصَادِرِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ , وَإِلَّا فَلْيَدْلُلْنَا هَؤُلَاءِ الْمُشَكِّكُونَ عَلَى مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ لَهَا مَصْدَرٌ شَرْعِيٌّ , مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي أُثِيرَتْ فِي هَذَا الْعَهْدِ. وَالْمَسَائِلُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْأَعْرَافِ خَاضِعَةٌ لِلْمِيزَانِ الشَّرْعِيِّ , فَإِنْ رَدَّ الْإِسْلَامُ عُرْفًا مِنْهَا فَلَا قِيمَةَ لَهُ , وَالْأَخْذُ بِهِ ضَلَالَةٌ , وَإِنْ اعْتَبَرَهُ أَخَذَ بِهِ لَا عَلَى أَنَّهُ عُرْفٌ , وَلَكِنْ عَلَى أَنَّهُ مُعْتَمِدٌ عَلَى النَّصِّ , وَإِنْ سَكَتَ عَنْهُ كَانَ الْأَخْذُ بِهِ أَوْ رَدُّهُ مَبْنِيًّا عَلَى الْمَصْلَحَةِ.
21 - وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هَذَا الْعَهْدَ كَانَتْ فِيهِ فِتَنٌ كُبْرَى إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْفِتَنَ كَانَ تَأْثِيرُهَا يَكَادُ يَنْحَصِرُ فِي أَمْرِ الْخِلَافَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ.
22 - وَبِالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ هَذَا الْعَهْدَ كَانَ مُعَاصِرًا لِعَهْدِ الْأُمَوِيِّينَ , وَالْخُلَفَاءُ فِي هَذِهِ الدَّوْلَةِ يَتَفَاوَتُونَ فِي سِيَاسَتِهِمْ بَيْنَ اللِّينِ وَالشِّدَّةِ وَالتَّوَسُّطِ بَيْنَهُمَا , إلَّا أَنَّ الْكُلَّ كَانَ حَرِيصًا عَلَى أَلَّا يَرْتَكِبَ كُفْرًا بَوَاحًا , وَمَنْ فَعَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ جُوبِهَ بِالْإِنْكَارِ. وَكَانَ أَهْلُ الْفِقْهِ فِي هَذَا الْعَهْدِ يُرَاسِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا , وَيُنَاظِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا , وَيَنْزِلُ بَعْضُهُمْ عَلَى رَأْيِ بَعْضٍ , اتِّبَاعًا لِلْحَقِّ , فَإِنَّ هَذَا الْقَرْنَ قَدْ شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْخَيْرِ , فَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ﴿خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ , ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ﴾. وَلَا يَضُرُّ الْأُمَّةَ أَنْ يَشِذَّ مِنْهَا شَاذٌّ أَوْ يَخْرُجَ عَلَى صُفُوفِهَا خَارِجٌ , إذَا كَانَتْ - فِي جُمْلَتِهَا - تَسِيرُ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ.
الطَّوْرُ الرَّابِعُ: عَهْدُ صِغَارِ التَّابِعِينَ وَكِبَارِ تَابِعِي التَّابِعِينَ:
23 - يَكَادُ هَذَا الطَّوْرُ يَبْدَأُ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَأَوَائِلِ الْقَرْنِ الثَّانِي , وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ عَهْدِ الْإِمَامِ الْعَادِلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَكَمَا قُلْنَا: لَيْسَ هُنَاكَ حُدُودٌ زَمَنِيَّةٌ فَاصِلَةٌ بَيْنَ تِلْكَ الْأَطْوَارِ , فَهِيَ مُتَدَاخِلَةٌ يَتَلَقَّى الْخَلَفُ مِنْهَا عَنْ السَّلَفِ. وَيَتَمَيَّزُ هَذَا الطَّوْرُ بِأَنَّهُ قَدْ بُدِئَ فِيهِ بِتَدْوِينِ السُّنَّةِ مُخْتَلِطَةً بِفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , وَذَلِكَ بِأَمْرٍ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , بَعْدَ أَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِهَذَا , وَخَشِيَ أَنْ تَضِيعَ السُّنَّةُ وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , وَأَنْ تُصْبِحَ طَيَّ النِّسْيَانِ مَعَ تَوَالِي الْأَزْمَانِ , وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ زَالَتْ الْعِلَّةُ الَّتِي خَشِيَ مَعَهَا أَنْ يَخْتَلِطَ الْقُرْآنُ بِغَيْرِهِ. فَقَدْ حُفِظَ الْقُرْآنُ فِي الصُّدُورِ وَالسُّطُورِ , وَأَصْبَحَ حَفَظَةُ الْقُرْآنِ بِالْآلَافِ , وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ بَيْتٌ مُسْلِمٌ إلَّا وَفِيهِ مُصْحَفٌ , فَأَمَرَ حَمَلَةَ الْعِلْمِ فِي عَهْدِهِ بِأَنْ يُدَوِّنُوا مَا عِنْدَهُمْ مِنْ سُنَّةٍ وَفَتَاوَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ , لِتَكُونَ مَرْجِعًا يُرْجَعُ إلَيْهِ , وَنَمَاذِجَ يَهْتَدِي بِهَا الْمُجْتَهِدُونَ فِي حَلِّ مَشَاكِلِ الْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ الْمُتَطَوِّرِ الَّذِي تَتَوَالَى فِيهِ الْأَحْدَاثُ الَّتِي تَتَطَلَّبُ أَحْكَامَهَا الشَّرْعِيَّةَ.
24 - وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ زَيْفُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُسْتَشْرِقِينَ مِنْ أَنَّ تَدْوِينَ السُّنَّةِ كَانَ لِتَبْرِيرِ الْآرَاءِ الْفِقْهِيَّةِ , إذْ التَّارِيخُ يَشْهَدُ بِأَنَّ الْآرَاءَ الْفِقْهِيَّةَ وَالسُّنَّةَ دُوِّنَتَا فِي عَهْدٍ وَاحِدٍ , وَبَذَلَ الْعُلَمَاءُ فِي جَمْعِهَا جَهْدًا لَمْ تَبْذُلْهُ أُمَّةٌ فِي تَنْقِيحِ الرِّوَايَةِ , وَالتَّثَبُّتِ مِنْ صِحَّتِهَا.
25 - وَإِذَا كَانَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْعَهْدِ قَدْ بَدَءُوا يَتَخَصَّصُونَ فِي مَنَاهِجِهِمْ وَاتِّجَاهَاتِهِمْ الْعِلْمِيَّةِ , فَمِنْهُمْ الْمُتَخَصِّصُ لِجَمْعِ اللُّغَةِ , وَمِنْهُمْ الْمُتَخَصِّصُ فِي آدَابِهَا وَتَارِيخِهَا ,