تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بَعْدِهِ تَلَامِيذَهُ , وَأَشْهَرُهُمْ عَلْقَمَةُ النَّخَعِيُّ , ثُمَّ مِنْ بَعْدِهِ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ , وَعَلَيْهِ تَخَرَّجَ أَئِمَّةُ هَذَا الْمَذْهَبِ.

17 - لَيْسَ مَعْنَى أَنَّ مَدْرَسَةَ الْحِجَازِ كَانَتْ مَدْرَسَةَ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْنِ فُقَهَائِهَا مَنْ يَعْتَمِدُ عَلَى الرَّأْيِ فِي كَثِيرٍ مِنْ اسْتِنْبَاطَاتِهِ , فَقَدْ عُرِفَ فِي هَذَا الْعَهْدِ مِنْ الْحِجَازِيِّينَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَشْهُورُ بِرَبِيعَةَ الرَّأْيِ , وَهُوَ شَيْخُ الْإِمَامِ مَالِكٍ. كَمَا كَانَ فِي الْعِرَاقِ مَنْ يَكْرَهُ الْأَخْذَ بِالرَّايِ كَعَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ الْمَشْهُورِ بِالشَّعْبِيِّ.

18 - لَيْسَ مَعْنَى الْمَدْرَسَةِ فِي كَلَامِنَا هَذَا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَنَا مِنْ مَبْنًى خَاصٍّ , أَوْ مَكَان أُعِدَّ لِلدِّرَاسَةِ , بَلْ الْمُرَادُ بِالْمَدْرَسَةِ الْتِزَامُ اتِّجَاهٍ خَاصٍّ وَمَنْهَجٍ. مُتَمَيِّزٍ , وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَاجِدُ الْجَامِعَةُ فِي الْجُمْلَةِ هِيَ مَكَانُ تَجَمُّعِ الْعُلَمَاءِ. وَفِيهَا حَلَقَاتُ التَّدْرِيسِ. عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ فِي هَذَا الْعَهْدِ كَانُوا يُفْتُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَطُرُقِهِمْ.

19 - وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ أَكْثَرَ حَمَلَةِ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْعَهْدِ كَانُوا مِنْ الْمَوَالِي , فَفِي الْمَدِينَةِ كَانَ نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , وَفِي مَكَّةَ كَانَ عِكْرِمَةُ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ , وَفِي الْكُوفَةِ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَوْلَى بَنِي وَالِبَةَ , وَفِي الْبَصْرَةِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ , وَفِي الشَّامِ مَكْحُولُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ أُسْتَاذُ الْأَوْزَاعِيِّ , وَفِي مِصْرَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَهُوَ أُسْتَاذُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ إمَامِ أَهْلِ مِصْرَ. . . وَكَثِيرٌ غَيْرُ هَؤُلَاءِ مِنْ الْمَوَالِي. وَكَانَ هُنَاكَ عَرَبٌ خُلَّصٌ تَفَرَّغُوا لِلْعِلْمِ فِي هَذَا الْعَهْدِ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَامِرٍ الشَّعْبِيِّ وَعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيِّ. وَكَانَتْ الْغَلَبَةُ فِي الْعِلْمِ فِي بَعْضِ الْأَمْصَارِ , لِلْعَرَبِ , كَالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ , وَفِي الْبَعْضِ الْآخَرِ لِلْمَوَالِي كَمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ , وَالشَّامِ وَمِصْرَ , مَعَ اخْتِلَاطِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ , وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ , مِنْ غَيْرِ غَضَاضَةٍ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ نَزَعَ مِنْ قُلُوبِهِمْ عَصَبِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ.

وَلَكِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ الْعِلْمِ - فِي هَذَا الْعَهْدِ - كَانَ مِنْ الْمَوَالِي. وَلِهَذَا أَسْبَابٌ:

أ - أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا - يَوْمَئِذٍ - حَمَلَةَ السَّيْفِ , وَقَادَةَ الْجُيُوشِ , لِأَنَّهُمْ مَعْدِنُ الْإِسْلَامِ , وَهُمْ عَلَيْهِ أَغْيَرُ , فَشَغَلَهُمْ ذَلِكَ عَنْ التَّفَرُّغِ لِلْعِلْمِ تَعْلِيمًا وَتَعَلُّمًا.

ب - أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَوَالِي نَشَئُوا فِي بِيئَاتٍ لَهَا حَضَارَتُهَا وَثَقَافَتُهَا , وَأَرَادُوا أَنْ يُسْهِمُوا بِجُهُودِهِمْ فِي نُصْرَةِ هَذَا الدِّينِ الَّذِي اعْتَنَقُوهُ طَائِعِينَ مُخْتَارِينَ. وَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ السَّيْفِ , فَلِيَنْصُرُوا هَذَا الدِّينَ بِالْقَلَمِ.

ج - حَرَصَ سَادَتُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِمْ حَتَّى يَحْمِلُوا عَنْهُمْ أَمَانَةَ مَا حَمَلُوا مِنْ الْعِلْمِ , فَهَذَا نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , عَلَّمَهُ وَهَذَّبَهُ وَأَخَذَ عَنْهُ وَعَنْ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ , وَقَالَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ: لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِنَافِعٍ. وَهَذَا عِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ , وَقَدْ مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةُ عَلَى الرِّقِّ , فَبَاعَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ لِخَالِدِ بْنِ يَذِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِينَارٍ , فَقَالَ عِكْرِمَةُ لِعَلِيٍّ: بِعْت عِلْمَ أُمَّتِك بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ , فَاسْتَقَالَ عَلِيٌّ خَالِدًا مِنْ بَيْعَتِهِ , فَأَقَالَهُ , فَأَعْتَقَهُ. وَهَذَا الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ سَيِّدُ التَّابِعِينَ , نَشَأَ فِي بَيْتِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ السَّيِّدَةِ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها , وَحَسْبُك هَذَا فَضْلًا.

د - إنَّ هَؤُلَاءِ الْمَوَالِي لَازَمُوا سَادَتَهُمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ فِي حِلِّهِمْ وَتَرْحَالِهِمْ , فَكَانُوا أَعْرَفَ النَّاسِ بِسِرِّ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ وَعَلَانِيَتِهِمْ , فَنَقَلُوا ذَلِكَ لِلْأُمَّةِ.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٦١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٦١٨