تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8 - التَّشْرِيعُ لُغَةً مَصْدَرُ شَرَعَ , أَيْ وَضَعَ قَانُونًا وَقَوَاعِدَ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِالْعِبَادِ طَلَبًا أَوْ تَخْيِيرًا أَوْ وَضْعًا. وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ لَا حَقَّ فِي التَّشْرِيعِ إلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ الْحُكْمُ إلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ - كَائِنًا مَنْ كَانَ - أَنْ يَشْرَعَ حُكْمًا , سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ بِحُقُوقِ اللَّهِ أَوْ حُقُوقِ الْعِبَادِ , لِأَنَّ هَذَا افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ , وَسَلْبٌ لِمَا اخْتَصَّ بِهِ نَفْسَهُ: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم - مَعَ عُلُوِّ مَكَانَتِهِ - لَيْسَ لَهُ حَقُّ التَّشْرِيعِ وَإِنَّمَا لَهُ حَقُّ الْبَيَانِ , وَعَلَيْهِ وَاجِبُ التَّبْلِيغِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إلَيْك مِنْ رَبِّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْت رِسَالَتَهُ﴾ وَيَقُولُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْكِتَابَ إلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ وَهَذَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ قَاطِبَةً , بَلْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ السَّمَاوِيَّةُ كُلُّهَا , وَلَمْ يَشِذَّ عَنْ ذَلِكَ إلَّا الَّذِينَ رَفَضُوا الِانْصِيَاعَ إلَى شَرَائِعِ اللَّهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا. وَسَنُبَيِّنُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ - ذَلِكَ بِالتَّفْصِيلِ فِي الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ , مُبَيِّنِينَ الْمَذَاهِبَ وَالْأَدِلَّةَ الَّتِي لَا تَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ فِي أَنَّ الْحُكْمَ لِلَّهِ وَحْدَهُ.

لَفْظُ " الِاجْتِهَادِ ":

9 - الِاجْتِهَادُ لُغَةً مَأْخُوذٌ مِنْ الْجَهْدِ , وَهُوَ الْمَشَقَّةُ أَوْ الْوُسْعِ أَوْ الطَّاقَةِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْجَهْدُ: الطَّاقَةُ وَالْمَشَقَّةُ. . . إلَى أَنْ قَالَ: وَالتَّجَاهُدُ بَذْلُ الْجَهْدِ كَالِاجْتِهَادِ. وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ اعْتِقَادِيٍّ أَوْ عَمَلِيٍّ , أَوْ مَعْرِفَةِ حُكْمٍ لُغَوِيٍّ أَوْ مَسْأَلَةٍ عَقْلِيَّةٍ , أَوْ كَانَ فِي أَمْرٍ مَحْسُوسٍ كَحَمْلِ شَيْءٍ , وَلَا يُقَالُ: اجْتَهَدَ فِي حَمْلِ وَرْدَةٍ. وَأَمَّا الِاجْتِهَادُ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْفِقْهِ أَوْ الْأُصُولِ فَقَدْ عَرَّفُوهُ بِتَعَارِيفَ مُتَقَارِبَةٍ فِي أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا. وَإِذَا كَانَ قَدْ أُورِدَ عَلَى بَعْضِ هَذِهِ التَّعَارِيفِ اعْتِرَاضَاتٌ تَرْجِعُ إلَى الصِّنَاعَةِ اللَّفْظِيَّةِ , فَكُلُّهَا تَدُورُ حَوْلَ بَذْلِ الْجَهْدِ وَالطَّاقَةِ لِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ دَلِيلِهِ. وَأَدُقُّ مَا قِيلَ فِي تَعْرِيفِهِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ مُسَلَّمِ الثُّبُوتِ: " إنَّ الِاجْتِهَادَ هُوَ بَذْلُ الطَّاقَةِ مِنْ الْفَقِيهِ فِي تَحْصِيلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ظَنِّيٍّ ". وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْمَسَائِلِ الظَّنِّيَّةِ. وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى يَتَّفِقُ مَعَ الْفِقْهِ فِي أَكْثَرِ مَسَائِلِهِ , وَإِنْ كَانَ الْفِقْهُ يَتَنَاوَلُ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْفُقَهَاءُ الْأَحْكَامَ الْقَطْعِيَّةَ الَّتِي تَتَنَاوَلُ الْأَفْعَالَ , كَقَوْلِهِمْ: الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ , إلَى غَيْرِ ذَلِكَ. وَبَيَانُ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ بِالتَّفْصِيلِ سَتَكُونُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ لِهَذِهِ الْمَوْسُوعَةِ.

10 - يَثُورُ بِمُنَاسَبَةِ الْحَدِيثِ عَنْ الْأَحْكَامِ الظَّنِّيَّةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي هِيَ مَثَارُ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا تَسَاؤُلٌ حَاصِلُهُ: أَمَا كَانَ الْأَجْدَرُ أَنْ تَأْتِيَ النُّصُوصُ وَالْأَدِلَّةُ قَطْعِيَّةً حَتَّى لَا يَفْتَحَ بَابَ الِاخْتِلَافِ الَّذِي هُوَ مَثَارُ الْخِلَافِ وَالشِّقَاقِ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى اسْتَبَاحَ بَعْضُهُمْ دَمَ بَعْضٍ؟ , , فَنَقُولُ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي هِيَ أَسَاسُ الدِّينِ سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ مِنْهَا بِالْعَقِيدَةِ أَوْ الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ قَدْ وَرَدَتْ فِي آيَاتٍ مُحْكَمَةٍ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ , وَلَا تُثِيرُ الِاخْتِلَافَ , لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَرَادَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأُمُورُ ثَابِتَةً عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ كَأَكْثَرِ أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ , وَأُصُولِ أَحْكَامِ الْأَحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ , وَآيَاتِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ. أَمَّا الْمَسَائِلُ الْقَابِلَةُ لِلتَّطَوُّرِ فَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٦١٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٦١٢