الْكَرِيمُ فِي شَأْنِهَا مُوَضِّحًا الْخُطُوطَ الرَّئِيسَةَ , وَكَانَتْ مَحَلًّا لِاخْتِلَافِ الْأَنْظَارِ. وَاخْتِلَافُ النَّظَرِ - إذَا لَمْ يَكُنْ مَبْنِيًّا عَلَى الْهَوَى وَالتَّشَهِّي - فَهُوَ رَحْمَةٌ لِلْأُمَّةِ , فَقَدِيمًا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ , وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الِاخْتِلَافُ سَبَبًا لِلْمُنَازَعَةِ , وَكَانَ يُصَلِّي بَعْضُهُمْ خَلْفَ بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ , لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ كَانَ يَرَى أَنَّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هُوَ الصَّوَابُ مَعَ احْتِمَالِ الْخَطَأِ , وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ غَيْرُهُ خَطَأٌ مَعَ احْتِمَالِ الصَّوَابِ. فَلَمَّا نَجَمَتْ الْفِتْنَةُ تَحَكَّمَتْ الْأَهْوَاءُ , فَكَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الرَّأْيِ سَبَبًا لِلشِّقَاقِ. وَالْمُتَتَبِّعُ لِسُنَّةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ بِالتَّشْرِيعِ أَوْ الْإِبْدَاعِ يَجِدُ أَنَّهُ مَا مِنْ خَيْرٍ إلَّا وَيَشُوبُهُ بَعْضُ الشَّرِّ. وَاَلَّذِي يُقَارِنُ بَيْنَ الْخَيْرِ فِي وُجُودِ الظَّنِّيِّ مِنْ النُّصُوصِ الَّذِي هُوَ مَثَارُ اخْتِلَافِ الْأَنْظَارِ , وَمَا قَدْ يَشُوبُهُ مِنْ شَرٍّ , يُدْرِكُ أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّ الْخَيْرِ فِيمَا وَقَعَ , فَإِنَّ جُمُودَ الْأَفْكَارِ - لَوْ جَاءَتْ النُّصُوصُ كُلُّهَا قَطْعِيَّةً - يَكُونُ بَلَاءً دُونَهُ كُلُّ بَلَاءٍ. وَالتَّارِيخُ شَهِدَ بِصِدْقِ هَذَا , فَإِنَّ الْآرَاءَ الْمَبْنِيَّةَ عَلَى الْهَوَى , وَاَلَّتِي نَجَمَ عَنْهَا مَا نَجَمَ مِنْ فِتَنٍ , قَدْ انْدَثَرَتْ آثَارُهَا , وَلَمْ يَبْقَ لَهَا إلَّا آثَارٌ فِي بُطُونِ الْكُتُبِ , نَقَلَهَا النَّاقِلُونَ لِتَشْهَدَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى سَعَةِ صَدْرِهَا , وَحُرِّيَّةِ الرَّأْيِ فِيهَا , وَلَكِنَّهَا ذَهَبَتْ كَغُثَاءِ السَّيْلِ , وَانْطَفَأَتْ كَوَمِيضِ الْبَرْقِ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾. عَلَى أَنَّهُ لَوْ جَاءَتْ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ كُلُّهَا قَطْعِيَّةً لَقَالَ قَائِلُهُمْ: هَلَّا كَانَ لَنَا مَجَالٌ لِلِاجْتِهَادِ حَتَّى لَا تَجْمُدَ عُقُولُنَا , وَنُصْبِحَ أَمَامَ نُصُوصٍ جَامِدَةٍ؟.
الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ وَالْفِقْهِ الْوَضْعِيِّ:
11 - يَقُولُ بَعْضُ الْمُتَعَصِّبِينَ لِلْفِقْهِ الْوَضْعِيِّ:
إنَّ الْفِقْهَ الْإِسْلَامِيَّ مَا هُوَ إلَّا آرَاءٌ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُعْتَبَرُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ خُرُوجًا عَلَى الشَّرِيعَةِ , كَمَا يَقُولُونَ: إنَّ الْفِقْهَ الْإِسْلَامِيَّ لَمْ يُعَالِجْ مَشَاكِلَ الْعَصْرِ وَمَا جَدَّ مِنْ أَحْدَاثٍ. بَلْ يَتَجَرَّأُ الْبَعْضُ وَيَقُولُ: إنَّهُ أَصْبَحَ تَارِيخًا , كَتَشْرِيعِ الْآشُورِيِّينَ وَقُدَمَاءِ الْمِصْرِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ الْبَائِدَةِ. وَنَقُولُ - وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ -: إنَّ الْفِقْهَ الْإِسْلَامِيَّ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعَةَ آرَاءٍ لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ , إلَّا أَنَّ هَذِهِ الْآرَاءَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُعْتَمِدَةً عَلَى نَصٍّ شَرْعِيٍّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إنَّ الْآرَاءَ الْمُعْتَمِدَةَ عَلَى الْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُسَانِدَةِ لَا بُدَّ أَنْ تَرْجِعَ - أَخِيرًا - إلَى كِتَابِ اللَّهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ. فَالْإِجْمَاعُ - مَثَلًا - لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ مِنْ نَصٍّ قُرْآنِيٍّ أَوْ سُنَّةٍ مَقْبُولَةٍ , وَهُوَ مَا يُعْرَفُ عِنْدَهُمْ بِسَنَدِ الْإِجْمَاعِ. وَقَدْ يَكُونُ هَذَا السَّنَدُ ظَنِّيَّ الدَّلَالَةِ , وَلَكِنَّ اجْتِمَاعَ آرَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ يَرْفَعُهُ مِنْ الظَّنِّيَّةِ إلَى الْقَطْعِيَّةِ. وَالْأَحْكَامُ النَّابِعَةُ مِنْ الْقِيَاسِ لَا بُدَّ أَنْ تَرْجِعَ إلَى أَصْلٍ مِنْ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ , لِأَنَّ الْقِيَاسَ - كَمَا عَرَّفُوهُ - هُوَ إلْحَاقُ مَسْأَلَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ بِمَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَرَدَ فِيهَا نَصٌّ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لِجَامِعٍ بَيْنَهَا , وَهَذَا الْجَامِعُ هُوَ الْعِلَّةُ , كَمَا سَنُبَيِّنُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي الْمُلْحَقِ الْأُصُولِيِّ , وَالْمَسَائِلُ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى الِاسْتِصْلَاحِ , وَهِيَ مَا تُعْرَفُ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ , لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَصْلَحَةُ لَمْ يَلِغْهَا الشَّارِعُ , بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَعْتَبِرَهَا الشَّارِعُ وَلَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِاعْتِبَارِ , وَهَكَذَا يُقَالُ فِي كُلِّ حُكْمٍ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ وَجْهَ الْقَدَاسَةِ فِي الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ هُوَ بِالنَّظَرِ إلَى مَصَادِرِهِ , وَلِذَا رَأَيْنَا الْفُقَهَاءَ - عَلَى مَدَى الْعُصُورِ - يَرْفُضُونَ كُلَّ رَأْيٍ لَا تَشْهَدُ لَهُ الشَّرِيعَةُ مَهْمَا كَانَ قَائِلُهُ , فَأَيْنَ هَذَا مِنْ الْفِقْهِ الْوَضْعِيِّ الَّذِي بُنِيَتْ أَكْثَرُ أَحْكَامِهِ عَلَى الْأَهْوَاءِ