لَفْظُ " الدِّينِ ":
5 - يُطْلَقُ لَفْظُ الدِّينِ لُغَةً عَلَى مَعَانٍ شَتَّى , فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ. وَاَلَّذِي يُهِمُّنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ بَعْضُ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي تَتَّصِلُ بِمَوْضُوعِنَا , وَهِيَ الْجَزَاءُ , كَمَا فِي قوله تعالى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ شَأْنُهُ -: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ أَإِنَّك لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ أَيْ لَمَجْزِيُّونَ. وَمِنْهَا الطَّرِيقَةُ , وَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينٌ﴾ وَمِنْهَا الْحَاكِمِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أَيْ حَاكِمِيَّتُهُ وَانْفِرَادُهُ بِالتَّشْرِيعِ. وَمِنْهَا الْقَوَاعِدُ وَالتَّقْنِينُ وَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك﴾ فَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الدِّينَ هُوَ الْقَانُونُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ. أَمَّا الدِّينُ اصْطِلَاحًا فَإِنَّهُ - عِنْدَ الْإِطْلَاقِ - يُرَادُ بِهِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنْ أَحْكَامٍ , سَوَاءٌ مَا يَتَّصِلُ مِنْهَا بِالْعَقِيدَةِ أَوْ الْأَخْلَاقِ أَوْ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَّفِقُ مَعَ مَدْلُولِ لَفْظِ الْفِقْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَمَا تَقَدَّمَ , فَيَكُونَانِ - بِهَذَا الِاعْتِبَارِ - لَفْظَيْنِ مُتَرَادِفَيْنِ.
لَفْظُ " الشَّرْعِ ":
6 - أَمَّا لَفْظُ شَرْعٍ فَهُوَ مَصْدَرُ شَرَعَ لِلنَّاسِ كَذَا أَيْ سَنَّ لَهُمْ كَذَا , ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْمَشْرُوعِ , فَيُقَالُ: هَذَا شَرْعُ اللَّهِ أَيْ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ وَسَنَّهُ لِعِبَادِهِ. وَمِنْهُ قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَاَلَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْك﴾ وَالشَّرْعُ فِي اصْطِلَاحِ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ: هُوَ مَا سَنَّهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنْ أَحْكَامٍ عَقَائِدِيَّةٍ أَوْ عَمَلِيَّةٍ أَوْ خُلُقِيَّةٍ. وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ لَنَا أَنَّ لَفْظَ شَرْعٍ مُرَادِفٌ لِلَفْظَيْ الدِّينِ وَالْفِقْهِ بِالِاعْتِبَارِ السَّابِقِ , وَإِنْ كَانَ لَفْظُ شَرْعٍ وَدِينٍ يُعْتَبَرَانِ لَفْظَيْنِ عَامَّيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَعْنَى الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ.
لَفْظُ " الشَّرِيعَةِ , وَالشِّرْعَةِ ".
7 - الشَّرِيعَةُ فِي اللُّغَةِ:
الْعَتَبَةُ وَمَوْرِدُ الشَّارِبَةِ , وَمِثْلُهَا شِرْعَةٌ. وَعِنْدَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ تُطْلَقُ عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّرْعِ. وَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاك عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وَمِنْ ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. هَذَا وَفِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ شَاعَ إطْلَاقُ لَفْظِ الشَّرِيعَةِ عَلَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَحْكَامٍ عَمَلِيَّةٍ , فَهِيَ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ تَكُونُ مُرَادِفَةً لِلَفْظِ فِقْهٍ بِالِاعْتِبَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُتَأَخِّرُونَ. وَلَعَلَّ لِهَذَا الْعُرْفِ الْمُسْتَحْدَثِ سَنَدًا مِنْ قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ السَّمَاوِيَّةُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأُمُورِ الْعَمَلِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ , وَإِلَّا فَالْأَحْكَامُ الْأَصْلِيَّةُ وَاحِدَةٌ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ. وَبِهَذَا الْعُرْفِ الْمُسْتَحْدَثِ أَطْلَقُوا عَلَى الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي تُعْنَى بِدِرَاسَةِ الْفُرُوعِ اسْمُ كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ.
لَفْظُ " التَّشْرِيعِ ":