فائدة: الحقيقة أنه ليس بين الأئمة خلاف في الأصول الشرعية فإنهم متفقون على حوالي سبعين بالمئة منها وإنما هناك خلاف في العناوين يتعلق بالفروع الجزئية ويُشَكِّلُ حوالي ثلاثين بالمئة فقط وذلك رحمة بالأمة وتوسيعاً عليها، فالحمد لله أولاً وآخِراً الذي وفقهم أن يجتمعوا على ما اجتمعوا عليه فإن اجتماعهم هذا خير للأمَّة والحمد لله الذي ألهمهم أن يختلفوا فيما اختلفوا فيه فإن اختلافهم أيضاً رحمة للأمة.
خامساً: مبدأ سد الذرائع: وهذا المبدأ مأخوذ من قوله تعالى: " ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم "، الأئمة كلهم يأخذون بهذا المبدأ ولكنهم يختلفون بالمقدار الذي ينبغي أن يأخذوا به، مثال ذلك سب المؤمن لدين كافر أو لمن يتخذه إلهاً بزعمه أصلُهُ مباح ولكن إذا كان هذا العمل المباح ينتج عنه عمل محرَّم فيسب الكافر الله تعالى عندها يصبح هذا العمل المباح في أصله محرماً لا لذاته ولكن لما قد ينتج عنه وهذا ما يُسمَّى بمبدأ سد الذرائع.
و مثال ذلك أيضاً، إطالة السهر مباح أيضاً ولكن إن كان هذا سيمنعك عن أن تستيقظ لصلاة الصبح تحوَّل المباح إلى محرَّم وهذا باتفاق الأئمة.
مثال آخر، بيع السلاح في أصله مباح ولكن إذا علمت أنَّ هذا يأخذ منك سلاحاً ليؤذي به الآخرين أو كان وقت الفتنة فلا يجوز.
سادساً: المصالح المُرسَلة: رائدها في الشريعة الإمام مالك.
جاءت الشريعة لتحقيق خمسة أنواع من المصالح وهي على هذا الترتيب: الدين، الحياة، العقل، النسل أو العرض والمال. كل الأئمة الأربعة أخذوا بها.
المصالح المرسلة هي أن يرى العالِم الفقيه أمامه مصلحة حديثة العهد طارئة، لم تكن موجودة من قبل تقتضي حكماً شرعياً ولكن هذا الفقيه لا يجد عليه (أي على الحكم الشرعي) دليلاً من القرآن أو السُنَّة ولا يجد دليلاً على حكم يشبهه للقياس لا سلباً ولا إيجاباً، فما العمل؟ يقول مالك: أنا أعود بهذه المسألة في الحكم إلى جنس هذه المصلحة التي يحققها الحكم، ننظر هل هي واحدة من هذه المصالح الخمس التي جاءت الشريعة بحمايتها ورعايتها؟ فإن كانت واحدة من هذه المصالح وكان الأخذ بها لا يُفَوِّت مصلحة أهمّ منها يقول مالك أنا أجتهد على وفق هذه المصلحة. و هذا باب عظيم في الاجتهاد و سنورد في ما يلي بعض الأمثلة والنماذج لتوضيح الصورة:
1 - منع عمر بن عبد العزيز الناس أن يشتروا أراضٍ في مِنى وأن يبنوا عليها بيوتاً لهم لأن ذلك سيضيق على الحجّاج مع أنه لا يوجد نص في ذلك و لكن من باب المصالح المرسلة أصدر عمر بن عبد العزيز أمره هذا (وهو ما يسميه الحنفية مقاصد الشريعة).
2 - قال الإمام مالك لو أنَّ صبياناً يلعبون ويتشاجرون و يمزِّق أحدهم ثوب الآخر أو يتلف متاعاً (يكسر زجاج منزل أو سيارة مثلاً) فالوالد (أي أبو الولد الذي سبب الضرر) يضمن (أي يدفع تعويضاً عن الضرر الحاصل) وإن لم يكن الولد بالغاً. و لكن هنا الشهود كلهم أولاد والقاعدة أنَّ الشهادة لا تصحُّ إلا من بالغ كبير. ماذا نفعل إذا تركنا القضية هكذا؟ طبعاً ستقع مفاسد كثيرة. المصلحة المرسلة هنا التي تتوخاها