تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إمّا جوار أو قرابة أو شركة ... فإن لم يجد القاضي مثل هذه الصلة فله أن لا يسمع الدعوى وذلك لكي لا يتلاعب السفهاء بالوجهاء فيأخذوا منهم أموالهم خشية تشويه سمعتهم، مثال ذلك أن يدَّعي سفيه على أحد الوجهاء دعوى باطلة، فلو أخذ بها القاضي لاضطر ذلك الوجيه إلى الذهاب إلى القاضي وعندها قد يدفع الوجيه شيئاً من المال للسفيه الذي ادعى عليه تلك الدعوى الباطلة وذلك لكي لا تُشوَّه سمعته بالامتثال بين يدي القاضي.

ثالثاً: إذا ثبت قانون شرعي وقاعدة شرعية عامة مثل: " ولا تزر وازرة وِزر أخرى "، يقول الإمام مالك: إذا وجدنا بين هذه القاعدة الضخمة الكبيرة وبين جزئيات الأدلة تناقضًا، نأخذ بالقاعدة ونترك هذه الجزئيات.

مثال ذلك: الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها: " إنَّ الميِّت لَيُعَذَّب ببكاء أهله عليه ". قال مالك هذا يتناقض مع القاعدة التي مرَّت معنا سابقاَ (و لا تزر وازرة وزر أخرى)، و بناءً على ذلك فلا ذنب للميت إن بكى أهله عليه فلم يأخذ بالحديث. ولكن الشافعي مثلاَ وهو تلميذ مالك أخذ بالحديث و قال إنَّ عذاب الميت في قبره هنا هو عذاب نفسي وليس عقاباَ من الله عز وجل وإنما هو عقاب خاص يأتي نتيجة لتصرفات أهله، فهو يتألم من فعل أولاده و يتمنى لهم الصلاح لأن الله تعالى يُطلعه على أفعالهم التي قد لا تخلو من معاصي وأمور مختلفة تكون سبباً لغضب الله تعالى عليهم.

مثال آخر: الإمام مالك وحده يفتي بعدم نجاسة لعاب الكلب و كذا رشحه ولكن الحديث الصحيح يقول: " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعاً إحداهن بالتراب ". قال مالك من المتفق عليه أنه يجوز استعمال الكلب في الصيد و الكلب إذا اصطاد لا بد أن يمسك الطريدة بفمه ويصيبه من لعابه لذلك أخذ بالقاعدة العامة التي تفيد جواز صيد الكلب، ثم قال عن هذا الحديث انه مضطرب وهذا دليل ضعف فقد ورد الحديث بعدة روايات (أولهن-أخراهن- إحداهن بالتراب).

رابعاً: الأخذ بالاستحسان وهو عبارة عن جزئية صغيرة اقتضتها مصلحة دينية ثابتة في كتاب الله وإن عارضت هذه الجزئية مبدأ كلياً و يؤخَذ به استثناءً.

مثال ذلك قاعدة أن الأخ الميت إذا مات و ترك أخاً شقيقاً أي لأب وأم هذا يُسمَّى عصبة و يأخذ كل ما تبقى من المال مثلا إذا كان الميت ليس له إلا أخ يأخذ كل الأموال وإذا مات و ليس له إلا أخ أو أخ شقيق، الأم تأخذ السدس والأخ أو الأخوة الأشقاء يأخذون الباقي. إن مات رجلٌ وترك زوجاً وأمّاً وإخوة لأم و أخاً شقيقاً، الزوج يأخذ النصف والأم تأخذ السدس والأخوة لأم يأخذون من الثلث لم يبقى للأخ الشقيق شيء إن طبَّقنا هذه القاعدة.

هنا الإمام مالك وغيره عادوا فوجدوا أنَّ الأمر قد رُفِعَ إلى سيدنا عمر رضي الله عنه فحَكَمَ أنه ليس للأخوة الأشقاء شيء فقال الأخوة الأشقاء هب أننا إخوة لأم فقط ألا يكون لنا؟ قال: نعم، ثم جعل الإخوة للأم والأخ الشقيق يشتركون معاً في الباقي. القاعدة على خلاف ذلك و لكن هذه الجزئية هي لمصلحة الشريعة لأن الشريعة تقتضي هذا الاستثناء.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٥٦٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٥٦٩