تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خلا عن التعديل قُبِل الجرح فيه غير مفسر إذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدَّل فهو حيز مجهول، وإعمال قول الجارح أولى من إهماله.

تعارض الجرح والتعديل:

وأما إذا اجتمع في الراوي جرح مفسر وتعديل: فالجرح مقدم، ولو زاد عدد المعدِّلين.

قال السيوطي: هذا الأصح عند الفقهاء والأصوليين، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء، لأن مع الجارح زيادةً لم يطلع عليها المعدِّل، ولأنه مصدّق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي عليه. وقيَّد الفقهاء ذلك إذا لم يقل المعدل عرفت السبب الذي ذكره الجارح ولكنه تاب منه، فانه حينئذ يقدَّم المعدّل، وقيل: إن زاد المعدلون قدم التعديل. هذا حكم التعارض بين قولين لعالمين.

أما إذا تعارض قولان من عالم واحد - كما وقع من ابن معين وابن حبان -فالعمل على آخر القولين إن علم ذلك، وإلا فالتوقف.

ما ورد من الطعن في بعض الأئمة:

قد يرد على لسان بعض العلماء الطعن في بعض الأئمة، أو رواة الحديث الذين هم موطن ثقة وعدالة وحسن قبول، وذلك على وجوه وألوان مختلفة الأسباب:

قد يكون السبب في طعن بعض الأئمة ناشئاً عن عصبية مذهبية، أو اختلافات اجتهادية، أو قد يكون عن منافسات دنيوية. فهذه الطعون لا يلتفت إليها ما دام المطعون معروفاً بالعدالة والضبط، والصلاح والتقى.

قال العلامة السبكي في الطبقات الكبرى (1/ 187) تحت عنوان (قاعدة في الجرح والتعديل): "إن من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه، وندر جارحه، وكانت قرينة دالّة على سبب جرحه: من تعصب مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا بتقديم الجرح على إطلاقه: لما سلم لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون، وقد عقد الحافظ ابن عبد البر في كتاب العلم باباً في حكم قول العلماء بعضهم في بعض، بدأ فيه بحديث الزبير رضي الله عنه مرفوعاً (دَبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء ... الحديث). وروى بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال (استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشدّ تغبراً من التيوس في زُروبها).

وعن مالك بن دينار قال: يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم

في بعض.

ثم قال العلامة السبكي جملة: قد عرّفناك أولاً أن الجارح لا يقبل منه الجرح -وإن فسره- في حق من غلبت طاعته على معاصيه، ومادحوه على ذامّيه، ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه: من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية، كما يكون من النظراء، أو غير ذلك. فنقول مثلا: لا يلتفتً إلى كلام ابن ذئب في مالك، بن معين في الشافعي والنسائي في أحمد بن صالح، لأن هؤلاء الأئمة مشهورون صار الجارح لهم كالآتي بخبر غريب، لو صحّ لتوفرت الدواعي على نقله، وكان القطع قائماً على كذبه.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٤١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٤١٨