تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما ينبغي أن يُتفقّد عند الجرح حال العقائد واختلافها، بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارحُ المجروح في العقيدة فجرحه لذلك، وإليه أشار الرافعي بقوله: وينبغي أن يكون المزكون بُرآء من الشحناء والعصبية في المذهب، خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرحِ عدل، أو تزكية فاسق. وقد وقع هذا لكثير من الأئمة.

وقد أشار شيخ الإسلام تقي الدين ابن دقيق العيد في كتابه (الاقتراح) إلى هذا وقال:

أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام.

قال العلامة السبكي: ومن أمثلة ما قدمناه قول بعضهم في البخاري: تركه أبو زرعة وأبو الحاتم من أجل مسألة اللفظ. فيالله والمسلمين!! أيجوز لأحد أن يقول: البخاري متروك؟ وهو حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة. ثم قال: ومن ذلك قول بعض المجسمة في أبي حاتم ابن حبان: لم يكن له كبير دين، نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحدّ لله. فيا ليت شعري من أحق بالإخراج: من يجعل ربه محدوداً أو من ينزهه عن الجسمية؟؟ وأمثلة هذا تكثر.

قال: وهذا شيخنا الذهبي رحمه الله تعالى من هذا القبيل، له علم وديانة وعنده على أهل السنة والجماعة تحامل مفرط، فلا يجوز أن يعتمد عليه -أي في طعنه بمن يخالف مذهبه-.

فكل طعن نشأ عن عصبية مذهبية أو اختلافات اجتهادية أو منافسة بين الأفراد لا اعتبار لذلك كله. كما جاء في ترجمة محمد بن المثنى من كتاب "تهذيب التهذيب": سئل عمرو بن علي عن محمد بن المثني وبندار؟ فقال: ثقتان. يقبل منهما كل شيء إلا ما تكلم به أحدهما في الآخر.

وقال في شرح "فواتح الرحَموت" (1/ 154): فائدة: لا بد للمزكي أن يكون عدلاً، عارفاً بأسباب الجرح والتعديل، وأن يكون منصفاً ناصحاً، لا أن يكون متعصباً ومعجباً بنفسه، فانه لا اعتداد بقول المتعصب، كما قدح الدارقطني في الإمام الهمام أبي حنيفة رضي الله عنه بأنه ضعيف في الحديث، أي شناعة فوق هذا؟؟ فانه -يعني أبا حنيفة- إمام ورع، تقي نقي، خائف من الله تعالى، وله كرامات شهيرة، فبأيّ شيء يتطرق إليه الضعف؟ فتارة يقولون: إنه كان مشتغلاً بالفقه -أي فلا خبرة له بالحديث- انظر بالإنصاف أي قبح فيما قالوا، بل الفقيه أولى بأن يؤخذ الحديث منه- أي لأنه يبنى عليه حكماً شرعياً فلا بد من ثبوته لديه-.

وتارة يقولون: إنه لم يلاق أئمة الحديث، إنما أخذ من حمّاد رضي الله تعالى عنهما، وهذا أيضاً باطل، فإنه روى عن كثير من الأئمة كالإمام محمد الباقر والأعمش وغيرهما، مع أن حمّاداً كان وعاء للعلم فالأخذ منه أغناه عن الأخذ من غيره. هذا أيضاً آية ورعة وكذا علمه وتقواه، فإنه لم يكثر الأساتذة لئلا تتكثر الحقوق فيخاف عجزه عن إيفائها.

وتارة يقولون: إنه كان من أصحاب القياس والرأي، وكان لا يعمل الحديث، حتى وضع أبو بكر أبي شيبة رحمه الله في كتابه "المصنف" باباً للرد عليه وترجمه بـ " باب الرد على أبي حنيفة"، وهذا أيضاً من التعصب.

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٤١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٤١٩