يُسلَّط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع، فإذا أكلوه يُسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم، فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ﴾.
حال السعداء أهل الجنة
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16)﴾.
ولما ذكر حال الأشقياء أهل النار، أتبعه بذكر حال السعداء أهل الجنة فقال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ أي وجوه المؤمنين يوم القيامة ناعمة ذات بهجةٍ وحسن، وإشراق ونضارة كقوله تعالى ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ ﴿لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي لعملها الذي عملته في الدنيا وطاعتها لله راضية مطمئنة، لأن هذا العمل أورثها الفردوس دار المتقين ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي في حدائق وبساتين مرتفعة مكاناً وقدراً، وهم في الغرفات آمنون ﴿لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً﴾ أي لا تسمع في الجنة شتماً، أو سباً، أو فحشاً قال ابن عباس: لا تسمع أذى ولا باطلاً ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي فيها عيونٌ تجري بالماء السلسبيل لا تنقطع أبداً قال الزمخشري: التنوين في ﴿عينٌ﴾ للتكثير أي عيونٌ كثيرة تجري مياهها ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ أي في الجنة أسرة مرتفعة، مكلله بالزبرجد والياقوت، عليها الحور العين، فإِذا أراد وليُّ الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ أي واقداح موضوعة على حافات العيون، معدة لشرابهم لا تحتاج إلى من يملأَها ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ أي ووسائد - مخدَّات - قد صُفَّ بعضها إلى جانب بعض ليستندوا عليها ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ أي وفيها طنافس فاخرة لها حمل رقيق مبسوطة في أنحاء الجنة.
التفكر في الخلق
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾
سبب النزول:
نزول الآية (17):
﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ .. ﴾: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد عن قتادة قال: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
ثم ذكر تعالى الدلائل والبراهين الدالة على قدرته ووحدانيته فقال ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ أي أفلا ينظر هؤلاء الناس نظر تفكر واعتبار، إلى الإِبل - الجمال - كيف خلقها الله خلقاً عجيباً بديعاً يدل على قدرة خالقها؟! قال ابن جزي: في الآية حضٌ على النظر في خلقتها، لما فيها من العجائب في قوتها، وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها، من الركوب والحمل عليها، وأكل لحومها، وشرب ألبانها وغير ذلك ﴿وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أي وإلى