السماء البديعة المحكمة، كيف رفع الله بناءها، وأعلى سمكها بلا عمد ولا دعائم؟ ﴿وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي إلى الجبال الشاهقة كيف نصبت على الأرض نصباً ثابتاً راسخاً لا يتزلزل؟! ﴿وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي وإلى الأرض التي يعيشون عليها، كيف بسطت ومُهدت حتى صارت شاسعة واسعة يستقرون عليها، ويزرعون فيها أنواع المزروعات؟! قال الألوسي: ولا ينافي هذا، القول بأنها كرة أو قريبة من الكرة لمكان عظمها. والحكمةُ في تخصيص هذه الأشياء بالذكر، أن القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيراً في الأودية والبراري منفردين عن الناس، والإِنسان إذا ابتعد عن المدينة أقبل على التفكر، فأول ما يقع بصره على البعير الذي يركبه فيرى منظراً عجيباً، وإن نظر فوقه لم ير غير السماء، وإن نظر يميناً وشمالاً لم ير غير الجبال، وإن نظر إلى أسفل من بعيره الذي هو راكبٌ عليه لم يرَ غير الأرض وهذه كلها مخلوقات تدلّ على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم، الخالق المالك المتصرف، الذي لا يستحق العبادة سواه .. ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد ولم يعتبر بذلك الكفار، أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بوعظهم وتذكيرهم فقال ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أي فعظهم يا محمد وخوّفهم، ولا يهمنَّك أنهم لا ينظرون ولا يتفكرون، فإنما أنت واعظ ومرشد ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ أي لست بمتسلط عليهم ولا قاهر لهم حتى تجبرهم على الإِيمان ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾ أي لكن من أعرض عن الوعظ والتذكير، وكفر بالله العلي القدير ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ﴾ أي فيعذبه الله بنار جهنم الدائم عذابها قال القرطبي: وإنما قال ﴿الأَكْبَرَ﴾ لأنهم عُذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ أي إلينا رجوعهم بعد الموت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي ثم إن علينا وحدنا حسابهم وجزاءهم.
=================
89 - سورة الفجر
التذكير بقوم عاد وثمود وفرعون وما حل بهم من العذاب
حال الطغاة المتجبرين، وجحود الإنسان
ندم المقصرين عند رؤية العذاب
بَين يَدَيْ السُّورَة
* سورة الْفَجْر مكية، وهي تتحدث عن أمور ثلاثة رئيسية وهي:
1 - ذكر قصص بعض الأمم المكذبين لرسل الله، كقوم عاد، وثمود، وقوم فرعون، وبيان ما حلَّ بهم من العذاب والدمار بسبب طغيانهم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ .. ﴾ الآيات.
2 - بيان سنة الله تعالى في ابتلاء العباد في هذه الحياة بالخير والشر، والغنى والفقر، وطبيعة الإِنسان في حبه الشديد للمال ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ .. ﴾ الآيات.
3 - الآخرة وأهوالها وشدائدها، وانقسام الناس يوم القيامة إِلى سعداء وأشقياء، وبيان مآل النفس الشريرة، والنفس الكريمة الخيِّرة ﴿كَلا إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا* وَجَآءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا* وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ إِلى نهاية السورة الكريمة.
التذكير بقوم عاد وثمود وفرعون وما حل بهم من العذاب