وإِذا البحار فتح بعضها إِلى بعض، فاختلط عذبها بمالحها، وأصبحت بحراً واحداً ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ أي وإِذا القبور قلبت، ونبش ما فيها من الموتى، وصار ما في باطنها ظاهراً على وجهها ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ هذا هو الجواب أي علمت عندئذٍ كل نفس ما أسلفت من خير أو شر، وما قدمت من صالح أو طالح قال الطبري: ما قدمت من عمل صالح، وما أخرت من شيء سنَّه فعمل به بعده ثم بعد ذكر أحوال الآخرة وأهوالها، انتقلت الآيات لتذكير الإِنسان الغافل الجاهل بما أمامه من أهوال وشدائد فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ أيْ أيُّ شيءٍ خدعك بربك الحليم الكريم، حتى عصيته وتجرأت على مخالفة أمره، مع إِحسانه إِليك وعطفه عليك؟ وهذا توبيخ وعتاب كأنه قال: كيف قابلتَ إِحسان ربك بالعصيان، ورأفته بك بالتمرد والطغيان ﴿هل جزاء الإِحسان إِلاّ الإِحسانُ﴾؟ ثم عدَّد نعمه عليه فقال ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ أي الذي أوجدك من العدم، فجعلك سوياً سالم الأعضاء، تسمع وتعقل وتبصر ﴿فَعَدَلَكَ﴾ أي جعلك معتدل القامة منتصباً في أحسن الهيئات والأشكال ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ أي ركبك في أي صورة شاءها واختارها لك من الصور الحسنة العجيبة ولم يجعلك في الشكل كالبهيمة كقوله تعالى ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾.
توبيخ المشركين على تكذيبهم بيوم الحساب
﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَونَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَومُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لله﴾.
ثم وبَّخ المشركين على تكذيبهم بيوم الدين فقال {﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ أي ارتدعوا يا أهل مكة، ولا تغتروا بحلم الله، بل أنتم تكذبون بيوم الحساب والجزاء ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ أي والحالُ أن عليكم ملائكة حفظة يضبطون أعمالكم ويراقبون تصرفاتكم قال القرطبي: أي عليكم رقباء من الملائكة ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ أي كراماً على الله، يكتبون أقوالكم وأعمالكم ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي يعلمون ما يصدر منكم من خير وشر، ويسجلونه في صحائف أعمالكم، لتجازوا به يوم القيامة .. ثم بيَّن تعالى انقسام الخلق يوم القيامة إِلى أبرار وفجار، وذكر مآل كلٍ من الفريقين فقال ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ أي إِن المؤمنين الذين اتقوا ربهم في الدنيا، لفي بهجة وسرور لا يوصف، يتنعمون في رياض الجنة بما لا عينٌ رأتْ ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهم مخلدون في الجنة ﴿وَإِنَّ الفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي وإِن الكفرة الفجار، الذين عصوا ربهم في الدنيا، لفي نار محرقةٍ، وعذاب دائم مقيم في دار الجحيم ﴿يَصْلَونَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي يدخلونها ويقاسون حرها يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ أي وليسوا بغائبين عن جهنم، بعيدين عنها لا يرونها، بل هي أمامهم يَصْلَونَ ويذوقون سعيرها ولا يخرجون منها أبداً. ﴿وَمَا أَدرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تعظيمٌ له وتهويل أي ما أعلمك ما هو يوم الدين؟ وأيُّ شيءٍ هو في شدته وهوله؟ ﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَومُ الدِّينِ﴾؟ كرر ذكره تعظيماً لشأنه، وتهويلاً لأمره كقوله ﴿الحاقة ما الحاقة؟ وما أدراك ما الحاقة﴾؟ كأنه يقول: إِن يوم الجزاء