* وختمت السورة الكريمة ببيان وقت الساعة الذي استبعده المشركون وأنكروه وكذبوا بحدوثه ﴿يسألونك عن الساعة أيَّان مرساها * فيم أنت من ذكراها * إِلى ربك منتهاها * إِنما أنت منذر من يخشاها * كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إِلا عشيةً أو ضحاها﴾.
الرد على منكري البعث
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14)﴾
سبب النزول:
نزول الآية (10، 12):
أخرج سعيد بن منصور عن محمد بن كعب قال: لما نزل قوله: ﴿أئنا لمردودون في الحافرة﴾؟ قال كفار قريش: لئن حيينا بعد الموت لنخسرن، فنزلت: ﴿قالوا: تلك إذاً كرة خاسرة﴾.
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ أي أقسمُ بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار نزعاً بالغاً أقصى الغاية في الشدة والعسر ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ أي وأُقسمُ بالملائكة التي تنزع أرواح المؤمنين بسهولةٍ ويسر، وتسلُّها سَلاًّ رفيقاً، قال ابن مسعود: إِن ملكَ الموت وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السَّفود - سيخ الحديد - الكثير الشُعب من الصوف المبتلّ، فتخرج نفس الكافر كالغريق في الماء، وينزع روح المؤمن برفق ولين، ويقبضها كما ينشط العِقال من يد البعير، قال ابن كثير: أقسم سبحانه بالملائكة حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرق في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنهما حلَّته من نشاط ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ أي وأقسم بالملائكة التي تنزل بأمر الله ووحيه من السماء كالذي يسبح في الماء، مسرعين لتنفيذ أمر الله ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ أي الملائكة التي تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ أي الملائكة تدبّر شؤون الكون بأمره تعالى، في الرياح، والأمطار، والأرزاق، والأعمار، وغير ذلك من شؤون الدنيا، أقسم سبحانه بهذه الأصناف الخمسة على أن القيامة حق، وجواب القسم محذوف تقديره: لتبعثنَّ ولتحاسبنَّ، وقد دل عليه قوله ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ أي يوم ينفخ في الصُّور النفخة الأولى التي يرتجف ويتزلزل لها كل شيء، تتبعها النفخة الثانية وهي نفخة القيامة من القبور، قال ابن عباس: الراجفة والرادفة هما النفختان الأولى والثانية، أما الأولى فتميت كل شيء بإذن الله تعالى، وأما الثانية فتحيي كل شيء بإذن الله تعالى .. ثم ذكر تعالى حالة المكذبين وما يلقونه من الشدائد والأهوال فقال ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ أي قلوب الكفار في ذلك اليوم خائفة وجلة مضطربة ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ أي أبصار أصحابها ذليلة حقيرة مما عاينت من الأهوال ﴿يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ أي يقولون في الدنيا استهزاءً واستبعاداً للبعث: أنُرَدُّ بعد الموت فنصير أحياء بعد فنائنا ونرجع كما كنا أول مرة؟ قال القرطبي: إذا قيل لهم؟ إِنكم تبعثون قالوا منكرين