تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنزلنا عليك يا محمد هذا القرآن مفرقاً، لتذكرهم بما فيه من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فلا تبتئس ولا تحزن ولا تضجر، فالقرآن حقٌ ووعده صدقٌ ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أي اصبر يا محمد وانتظر حكم ربك وقضاءه، فلا بدَّ أن ينتقم منهم، ويقر عينك بإِهلاكهم، إِنْ عاجلاً أو آجلاً ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ أي ولا تطع من هؤلاء الفجرة من كان ﴿آثِمًا﴾ منغمساً في الشهوات، غارقاً في الموبقات ﴿أَوْ كَفُورًا﴾ أي ولا تطع من كان مبالغاً في الكفر والضلال، لا ينزجر ولا يرعوي، وصيغة ﴿كفور﴾ من صيغ المبالغة ومعناها المبالغ في الكفر والجحود، قال المفسرون: نزلت في "عتبة بن ربيعة" و "الوليد بن المغيرة" قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: إِن كنت تريد النساء والمال فارجع عن هذا الأمر ونحن نكفيك ذلك، فقال عتبة: أنا أُزوجك ابنتي وأسوقها لك من غير مهر، وقال الوليد: أنا أعطيك من المال حتى ترضى فنزلت، والأحسنُ أنها على العموم لأن لفظها عام فهي تشمل كل فاسق وكافر ﴿وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي صلِّ لربك وأكثر من عبادته وطاعته ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي في أول النهار وآخره، في الصباح والمساء ﴿وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ أي ومن الليل فصلِّ له، متهجداً مستغرقاً في مناجاته ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ أي وأكثر من التهجد والقيام لربك في جناح الظلام والناس نيام كقوله تعالى ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً﴾ والمقصود أن يكون عابداً لله ذاكراً له في جميع الأوقات، في الليل والنهار، والصباح والمساء، بقلبه ولسانه، ليتقوى على مجابهة أعدائه .. وبعد تسلية النبي الكريم، عاد إِلى شرح أحوال الكفرة المجرمين فقال ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ﴾ أي إِن هؤلاء المشركين يفضلون الدنيا على الآخرة، وينهمكون في لذائذها الفانية ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً﴾ أي ويتركون أمامهم يوماً عسيراً شديداً، عظيم الأهوال والشدائد، وهو يوم القيامة ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ أي نحن بقدرتنا أوجدناهم من العدم، وأحكمنا ربط مفاصلهم بالأعصاب والعروق، حتى كانوا أقوياء أشداء ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ أي ولو أردنا أهلكناهم، ثم بدلنا خيراً منهم يكونون أعبد لله وأطوع، وفي الآية تهديدٌ ووعيد ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ أي هذه الآيات الكريمة بمعناها الدقيق، ولفظها الرشيق، موعظة وذكرى، يتذكر بها العاقل، وينزجر بها الجاهل ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ أي فمن أراد الانتفاع والاعتبار وسلوك طريق السعادة، فليعتبر بآيات القرآن، وليستنر بنوره وضيائه، وليتخذ طريقاً موصلاً إلى ربه، بطاعته وطلب مرضاته، فأسباب السعادة ميسورة، وسبل النجاة ممهدة ﴿وَمَا تَشَاءونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أي وما تشاءون أمراً من الأمور، إِلا بتقدير الله ومشيئته، ولا يحصل شيء من الطاعة والاستقامة إِلا بإذنه تعالى وإِرادته، قال ابن كثير: أي لا يقدر أحدٌ أن يهدي نفسه، أو يدخل في الإِيمان، أو يجر لنفسه نفعاً، إِلا بمشيئة الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي عالم بأحوال خلقه، حكيم في تدبيره وصنعه، يعلم من يستحق الهداية فييسِّرها له، ومن يستحق الضلالة فيسهل له أسبابها، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ أي يدخل من شاء من عباده جنَّته ورضوانه حسب مشيئته وحكمته وهم المؤمنون ﴿وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي وأما المشركون الظالمون فقد هيأ

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٣١٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٣١٨