تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

﴿ولباسهم فيها حرير﴾ قال المفسرون: السندس ما رقَّ من الحرير، والاستبرق ما غلظ من الحرير، وهذا لباس الأبرار في الجنة، وإِنما قال

﴿عَالِيَهُم﴾ لينبه على أن لهم عدة من الثياب، ولكنَّ الذي يعلوها هي هذه، فتكون أفضلها ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ أي وألبسوا في الجنة أساور فضية للزينة والحلية وعبَّر بالماضي إِشارةً لتحقق وقوعه، قال الصاوي: فإِن قيل: كيف قال هنا ﴿أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ وفي سورة الكهف ﴿يحلون فيها من أساور من ذهب﴾ وفي سورة فاطر ﴿يحلون فيها من أساور من ذهبٍ ولؤلؤاً﴾ فالجواب أنهم تارةً يلبسون الذهب فقط، وتارةً يلبسون الفضة، وتارة يلبسون اللؤلؤ فقط على حسب ما يشتهون، ويمكن أن يجمع في يد أحدهم أسورة الذهب والفضة واللؤلؤ ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ أ ي سقاهم الله - فوق ذلك النعيم - شراباً طاهراً لم تدنسه الأيدي، وليس بنجس كخمر الدنيا، قال الطبري: سُقي هؤلاء الأبرار شراباً طهوراً، ومن طُهْره أنه لا يصير بولاً نجساً، بل رشحاً من أبدانهم كرشح المسك، روي أن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا، فإِذا أكل سقي شراباً طهوراً، فيصير رشحاً يخرج من جلده أطيبُ ريحاً من المسك الإِذخر ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ أي يقال لهم بعد دخولهم الجنة ومشاهدتهم نعيمها: هذا مقابل أعمالكم الصالحة في الدنيا ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ أي وكان عملكم مقبولاً مرضياً، جوزيتم عليه أحسن الجزاء، مع الشكر والثناء .. مرَّ في الآيات السابقة أن الله تعالى أعدَّ للكافرين السلاسل والأغلال، كما هيأ للأبرار أرائك يتكئون عليها، وعليهم ثياب السندس والاستبرق، وفي معاصمهم أساور الفضة، وبين أيديهم ولدانٌ مخلدون كأنهم اللؤلؤ المنثور، يطوفون على أولئك الأبرار بصحاف الفضة وأكوابها الصافية النقية، وقد ملئت شراباً ممزوجاً بالزنجبيل والكافور، وكلُّ ذلك للترغيب والترهيب، على طريقة القرآن في المقارنة بين أحوال الأبرار والفجار.

حال الرسول صلى الله عليه وسلم مع المعاندين من قومه

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (23) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25) وَمِنْ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26) إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءهُمْ يَوْمًا ثَقِيلاً (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً (29) وَمَا تَشَاءونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)﴾.

سبب النزول:

نزول الآية (24):

أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن قتادة أنه بلغه أن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً يصلي لأطأن عنقه، فأنزل الله: ﴿ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً﴾.

وبعد هذا الوضوح والبيان، كان المشركون يقابلون كل هذه الآيات بالصدِّ والإِعراض، والاستهزاء بالقرآن وبمحمد عليه الصلاة والسلام، وكان الرسول يتألم ويحزن لموقف المعاندين، لذلك جاءت الآيات تشدُّ من عزيمته، وتسلِّيه وتخفف عن قلبه الشريف آثار الهمِّ والضجر ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ أي نحن الذين

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٣١٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٣١٧