تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على ذكره والتضرع بين يديه، استعدت نفسه لإِشراق وجلال الله فيها أقول: وهذا المعنى لطيف في الربط بين قيام الليل، وتلاوة القرآن، فإن الله تعالى كلَّف رسوله أن يدعو الناس إلى دين جديد، فيه تكاليف شاقة على النفس، وأن يكلفهم العمل بشرائعه وأحكامه، ولا شك أن مثل هذا التكليف، يحتاج إلى مجاهدة للنفس ومصابرة، لما فيه من حملهم على ترك ما ألفوه من العقائد، ونبذ ما ورثوه من أسلافهم من العادات، فأنت يا محمد معرَّضٌ لمتاعب كثيرة، وأخطار جمة في سبيل هذه الدعوة، وحمل الناس على قبولها، فكيف يمكن أن تقوم بهذه المهمة الكبيرة، وأنت على ما أنت عليه من التزمل والتلفف، والخلود إلى الراحة والسكون، والبعد عن المشاقِّ، ومجاهدة النفس بطول العبادة وكثر التهجد، ودراسة ءايات القرآن دراسة تفهم وتدبر؟ فانشط من مضجعك إذاً، واسهر معظم ليلك في مناجاة ربك، استعداداً لتحمل

مشاق الدعوة، والتبشير بهذا الدين الجديد، ويا لها من لفتةٍ كريمة، تيقَّظَ لها قلبُ النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، فشمَّر عن ساعة الجد والعمل، وقام بين يدي ربه حتى تشققت قدماه .. ثم بيَّن تعالى فضل إحياء الليل بالعبادة فقال ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ أي إن ساعات الليل وأوقاته التي فيها التفرغ والصفاء، وما ينشئه المرء ويحدثه من طاعةٍ وعبادة، يقوم لها من مضجعه بعد هدأةٍ من الليل ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي هي أشد على المصلي وأثقل من صلاة النهار، لأن الليل جعل للنوم والراحة، فقيامه على النفس أشد وأثقل، ومن شأن هذه الممارسة الصعبة أن تقوّي النفوس، وتشد العزائم، وتصلب الأبدان، ولا ريب أن مصاولة الجاحدين أعداء الله تحتاج إلى نفوس قوية، وأبدان صلبة ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ أي أثبتُ وأبينُ، فهدوء الصوت في الليل، وسكون البشر فيه، أعون للنفس على التدبر والتفطن، والتأمل في أسرار القرآن ومقاصده ﴿إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً﴾ أي إن لك في النهار تصرفاً وتقلباً، واشتغالاً طويلاً في شؤونك، فاجعل ناشئة الليل لتهجدك وعبادتك، قال ابن جزي: السبحُ هنا عبارة عن التصرف في الأعمال والأشغال والمعنى: يكفيك النهار للتصرف في أشغالك، وتفرغ بالليل لعبادة ربك .. وبعد أن قرر الخطاب الإِلهي هذه المقدمات التي هي بمثابة تمهيدٍ وبساطٍ للدعوة، انتقل إلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتبليغ الدعوة، وتعليمه كيفية السير فيها عملاً، بعد أن مهدها له نظراً فقال ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ أي استعن على دعوتك بذكر الله ليلاً ونهاراً، وانقطع إليه انقطاعاً تاماً في عبادتك وتوكلك عليه، ولا تعتمد في شأنٍ من شؤونك على غيره تعالى، قال ابن كثير: أي أكثر من ذكره وانقطع إليه جل وعلا، وتفرغ لعبادته إذا فرغت من أشغالك مع إخلاص العبادة له ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاً إِلَهَ إِلاً هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ أي هو جل وعلا الخالق المتصرف بتدبير شؤون الخلق، وهو المالك لمشارق الأرض ومغاربها، لا إله غيره ولا ربِّ سواه، فاعتمد عليه وفوّض أمورك إليه ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي اصبر على أذى هؤلاء السفهاء المكذبين فيما يتقولونه عليك من قولهم: "ساحر، شاعر، مجنون" فإن الله ناصرك عليهم ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً﴾ أي اتركهم ولا تتعرض لهم بأذى ولا شتيمة، قال المفسرون: الهجر الجميل هو الذي لا عتاب معه، ولا يشوبه أذى ولا شتم، وقد كان هذا قبل أن يؤمر بالقتال كما قال سبحانه ﴿وإذا رأيتَ الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض عنهم﴾ ثم أُمر صلى الله

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٢٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٢٩٣