تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليه وسلم بقتالهم وقتلهم، والحكمة في هذا أن المؤمنين كانوا قلة مستضعفين، فأمروا بالصبر وبالمجاهدة الليلية، حتى يُعدُّوا أنفسهم بهذه التربية الروحية على مناجزة الأعداء، وحتى يكثر عددهم فيقفوا في وجه الطغيان، أما قبل الوصول إلى هذه المرحلة فينبغي الصبر والاقتصار على الدعوة باللسان ..

توعد الله لصناديد قريش

﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً (16) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (18)﴾

ثم قال تعالى متوعداً ومتهدداً صناديد قريش ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ﴾ أ ي دعني يا محمد وهؤلاء المكذبين بآياتي، أصحاب الغنى، والتنعم في الدنيا، والترف والبطر فأنا أكفيك شرهم، قال الصاوي: المعنى اتركني أنتقم منهم، ولا تشفع لهم، وهذا من مزيد التعظيم له صلى الله عليه وسلم، وإجلال قدره ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ أي وأمْهِلهمْ زمناً يسيراً حتى ينالوا العذاب الشديد، قال المفسرون: أمهلهم الله تعالى إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، فلما خرج منها سلَّط عليهم السنين المجدبة وهو العذاب العام، ثم قتل صناديدهم ببدر وهو العذاب الخاص .. ثم وصف تعالى ما أعده لهم من العذاب في الآخرة فقال ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالاً وَجَحِيمًا﴾ أي إنَّ لهم عندنا في الآخرة قيوداً عظيمة ثقيلة يقيدون بها، وناراً مستعرة هي نار الجحيم يحرقون بها، قال ابن جزي: الأنكال جمع نِكْل وهو القيد من الحديد، وروي أنها قيود سودٌ من نار ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ أي وطعاماً كريهاً غير سائغ، يغصُّ به الإِنسان وهو الزقوم والضريع، قال ابن عباس: شوك من نار يعترض في حلوقهم لا يخرج ولا نزل ﴿وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ أي وعذاباً وجيعاً مؤلماً، زيادة على ما ذكر من النكال والأغلال .. ثم ذكر تعالى وقت هذا العذاب فقال ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ أي يوم تتزلزل الأرض وتهتز بمن عليها اهتزازاً عنيفاً شديداً هي وسائر الجبال، وذلك يوم القيامة ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلاً﴾ أي وتصبح الجبال على صلابتها تلاً من الرمل سائلاً متناثراً، بعد أن كانت صلبة جامدة، قال ابن كثير: أي تصير الجبال ككثبان الرمل، بعد ما كانت حجارة صماء، ثم إنها تُنسف نسفاً فلا يبقى منها شيء إلا ذهب كقوله تعالى ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً * فيذرها قاعاً صفصفاً * لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً﴾ أي لا شيء ينخفض ولا شيء يرتفع .. ذكر تعالى العذاب المؤلم الذي أعده للمشركين، ومكانه وهو الجحيم، وآلاته وهي القيود وطعام الزقوم، ووقته وهو عند اضطراب الأرض وتزلزلها بمن عليها، وأراد بذلك تخويف المكذبين وتهديدهم بأنه تعالى سيعاقبهم بذلك كله، إن بقوا مستمرين في تكذيبهم لرسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم أعقبه بتذكيرهم بما حلَّ بالأمم الباغية التي قد خلت من قبلهم، وكيف عصت وتمردت فأنزل بها من أمره ما أنزل، وضرب لهم المثل بفرعون الجبار فقال ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ﴾ أي بعثنا لكم يا أهل مكة محمداً صلى الله عليه وسلم شاهداً على أعمالكم، يشهد عليكم بما صدر منكم

موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٢٩٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٢٩٤