حين غاضب فاطمة وقد نام ولصق بجنبه التراب - قم أبا تراب، إشعاراً بأنه ملاطفٌ له، وغير عاتب عليه، والفائدة الثانية: التنبيهُ لكل متزمل راقد ليله، ليتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى، لأنه الاسم المشتق من الفعل، يشترك فيه المخاطب، وكل من اتصف بتلك الصفة، وسبب هذا التزمل ما روي في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جاءه وهو في غار حراء - في ابتداء الوحي - رجع إلى خديجة يرجف فؤاده فقال: زملوني، زملوني، لقد خشيت على نفسي، وأخبرها بما جرى، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أي يا أيها الذي تلفف بقطيفته، واضطجع في زاوية بيته، وقد أشبه من يُؤثر الراحة والسكون، ويحاول التخلص مما كُلف به من مهمات الأمور ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاً قَلِيلاً﴾ أي دع التزمل والتلفف، وانشط لصلاة الليل، والقيام فيه ساعات في عبادة ربك، لتستعد للأمر الجليل، والمهمة الشاقة، ألا وهي تبليغ دعوة ربك للناس، وتبصيرهم بالدين الجديد .. ثم وضَّح المقدار الذي ينبغي أن يصرفه في عبادة الله فقال ﴿نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ أي قم للصلاة والعبادة نصف الليل، أو أقل من النصف قليلاً، أو أكثر من النصف، والمراد أن تكون هذه الساعات طويلة بحيث لا تقل عن ثلث الليل، ولا تزيد على الثلثين، قال ابن عباس: إن قيام الليل كان فريضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لقوله ﴿قُمْ اللَّيْلَ﴾ ثم نسخ بقوله تعالى ﴿فاقرءوا ما تيسَّر منه﴾ وكان بين أول هذا الوجوب ونسخه سنة، وهذه هي السورة التي نسخ آخرها أولها، حيث رحم المؤمنين فأنزل التخفيف عليهم بقوله ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل، ونصفه وثُلثه، وطائفةٌ من الذين معك .. ﴾ الآية ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ أي اقرأ القرآن أثناء قيامك في الليل قراءة تثبت وتؤَدة وتمهل، ليكون عوناً لك على فهم القرآن وتدبره، قال الخازن: لما أمره تعالى بقيام الليل أتبعه بترتيل القرآن، حتى يتمكن المصلي من حضور القلب، والتفكر والتأمل في حقائق الآيات ومعانيها، فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر بقلبه عظمة الله وجلاله، وعند ذكر الوعد والوعيد يحصل له الرجاء والخوف، وعند ذكر القصص والأمثال يحصل له الاعتبار، فيستنير القلب بنور معرفة الله، والإِسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني، فظهر بذلك أن المقصود من الترتيل، إنما هو حضور القلب عند القراءة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطِّع القراءة حرفاً حرفاً - أي يقرأ القرآن بتمهل، ويخرج الحروف واضحة - لا يمر بآية رحمةٍ إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذابٍ إلا وقف وتعوَّذ .. ثم بعد أن أمره تعالى باطراح النوم، وقيام الليل، وتدبر القرآن وتفهمه، انتقل إلى بيان السبب في هذه الأوامر الثلاثة، ذات التكليف الصعب الشاق فقال ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ أي سننزل عليك يا محمد كلاماً عظيماً جليلاً، له هيبة وروعةٌ وجلال، إنّه كلام الملك العلاَّم، قال الإِمام الفخر الرازي: والمراد من كونه ثقيلاً هو عِظَم قدره، وجلالة خطره، وكل شيء نفس وعظم خطره فهو ثقيل، وهذا معنى قول ابن عباس ﴿قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ يعني كلاماً عظيماً، وقيل المراد ما في القرآن من الأوامر والنواهي، التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين، ووجه النظم عندي أنه لما أمره بصلاة الليل فكأنه قال: إنما أمرتك بصلاة الليل، لأنا سنلقي عليك قولاً عظيماً، ولا بد أن تصيّر نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، وذلك بصلاة الليل، فإن الإِنسان إذا اشتغل بعبادة الله في الليلة الظلماء، وأقبل
موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٢٩٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٢٩٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي