* ثم تناولت السورة موضوع ثقل الوحي الذي كلف الله به رسوله، ليقوم بتبليغه للناس بجد ونشاط، ويستعين على ذلك بالاستعداد الروحي بإِحياء الليل في العبادة ﴿إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً * إنَّ ناشئة الليل هي أشدُّ وطأً وأقوم قيلاً* إن لك في النهار سبحاً طويلاً﴾.
* وأمرت السورة الرسول عليه السلام بالصبر على أذى المشركين، وهجرهم هجراً جميلاً إلى أن ينتقم الله منهم ﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلاً * وذرني والمكذبين أُولي النَّعمة ومهلهم قليلاً﴾.
* ثم توعد الله المشركين بالعذاب والنكال يوم القيامة، حيث يكون فيه من الهول والفزع ما يشيب له رءوس الولدان ﴿إنَّ لدينا أنكالاً وجحيماً * وطعاماً ذا غصةٍ وعذاباً أليماً * يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كئيباً مهيلاً .. ﴾ الآيات.
* وختمت السورة الكريمة بتخفيف الله عن رسوله وعن المؤمنين من قيام الليل رحمة به وبهم، ليتفرغ الرسول وأصحابه لبعض شئون الحياة ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفةٌ من الذين معك .. ﴾ إلى قوله ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خيرٍ تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم﴾.
نداء لطيفٌ من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بأن لا يجهد نفسه
﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلاً قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلاً (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلاً (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاً إِلَهَ إِلاً هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلاً (10)﴾
سبب النزول:
نزول الآية (1، 2):
﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً﴾: أخرج الحاكم عن عائشة قالت: لما أنزلت ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً﴾ قاموا سنة حتى وِرْمَت أقدامهم، فأنزلت: ﴿فاقرؤوا ما تيسر منه﴾.
وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني، فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، فنظرت خلفي، فلم أر شيئاً، فرفعت رأسي، فإذا الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجُثثت (فزعت) منه رعباً، فرجعت فقلت: دثِّروني دثِّروني". وفي رواية: "فجئت أهلي، فقلت: زمِّلوني زمِّلوني"، فأنزل الله: ﴿يا أيها المدثر﴾ وقال جمهور العلماء: وعلى إثرها نزلت ﴿يا أيها المزمل﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ أي يا أيها المتلفف بثيابه، وأصله المتزمل وهو الذي تلفف وتغطى، وخطابه صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ فيه تأنيسٌ وملاطفة له عليه السلام قال السهيلي، إن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك معاتبته سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي -