﴿وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسولُ الله﴾ أي وإِذا قيل لهؤلاء المنافقين: هلُمُّوا إِلى رسول الله حتى يطلب لكم المغفرة من الله ﴿لوَّوا رؤوسهم﴾ أي حركوها وهزوها استهزاءً واستكباراً ﴿ورأيتهم يصدُّون وهم مستكبرون﴾ أي وتراهم يعرضون عمَّا دُعوا إِليه، وهم متكبرون عن استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، وجيء بصيغة المضارع ليدل على استمرارهم على الإِعراض والعناد قال المفسرون: لمَّا نزلت الآيات تفضح المنافقين وتكشف الأستار عنهم، مشى إِليهم أقرباؤهم من المؤمنين، وقالوا لهم: ويلكم لقد افتضحتم بالنفاق وأهلكتم أنفسكم، فائتوا رسول الله وتوبوا إِليه من النفاق واسألوه يستغفر لكم، فأبوا وحركوا رؤوسهم سخريةً واستهزاءً فنزلت الآية، ثم جاؤوا إِلى "ابن سلول" وقالوا له: امض إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واعترفْ بذنبك يستغفر لك، فلوَّى رأسه إِنكاراً لهذا الرأي ثم قال لهم: لقد أشرتم عليَّ بالإِيمان فآمنتُ، وأشرتم عليَّ بأن أعطي زكاة مالي ففعلتُ، ولم يبق لكم إلاَّ أن تأمروني بالسجود لمحمد!! ثم بيَّن تعالى عدم فائدة الاستغفار لهم، لأنهم مردوا على النفاق فقال ﴿سواءٌ عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم﴾ أي يتساوى الأمر بالنسبة لهم، فإِنه لا ينفع استغفارك لهم شيئاً، لفسقهم وخروجهم عن طاعة الله ورسوله قال الصاوي: والآية للتيئيس من إِيمانهم أي إن استغفارك يا محمد وعدمه سواء، فهم لا يؤمنون لسبق الشقاوة لهم ﴿لن يغفر اللهُ لهم﴾ أي لن يصفح الله عنهم لرسوخهم في الكفر، وإِصرارهم على العصيان، ثم علَّله بقوله ﴿إنَّ الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ أي لا يوفق للإِيمان، من كان فاسقاً خارجاً عن طاعة الرحمن .. ثم زاد تعالى في بيان قبائحهم وجرائمهم فقال ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسولِ اللهِ حتى ينفضُّوا﴾ أي هم الفجرة الذين قالوا لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرقوا عن محمد قال أبو حيّان: والإِشارة إِلى ابن سلول ومن وافقه من قومه، سفَّه أحلامهم في أنهم ظنوا أن رزق المهاجرين بأيديهم، وما علموا أن ذلك بيد الله تعالى، وقولهم ﴿على من عندَ رسول الله﴾ هو على سبيل الهزء، إذ لو كانوا مقرين برسالته ما صدر منهم ما صدر، والظاهر أنهم لم ينطقوا بنفس ذلك اللفظ، ولكنه تعالى عبَّر به عن رسوله إكراماً له وإِجلالاً ﴿وللهِ خزائنُ السماواتِ والأرض﴾ أي هو تعالى بيده مفاتيح الرزق يعطي من يشاء ويمنع من يشاء، ولا يملك أحدٌ أن يمنع فضل الله عن عباده ﴿ولكنَّ المنافقين لا يفقهون﴾ أي ولكنَّ المنافقين لا يفهمون حكمة الله وتدبيره، فلذلك يقولون ما يقولون من مقالات الكفر والضلال .. ثم عدَّد تعالى بعض قبائحهم وأقوالهم الشنيعة فقال ﴿يقولون لئن رجعنا إِلى المدينة﴾ أي يقولون لئن رجعنا من هذه الغزوة - غزوة بني المصطلق - وعدنا إِلى بلدنا "المدينة المنورة" ﴿ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ﴾ أي لنجرجنَّ منها محمداً وصحبه، والقائل هو ابن سلول، وعنى بالأعز نفسه وأتباعه، وبالأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه قال المفسرون: لما قال ابن سلول ما قال ورجع إِلى المدينة، وقف له ولده "عبد الله" على باب المدينة واستلَّ سيفه، فجعل الناسُ يمرون به، فلما جاء أبوه قال له ابنه: وراءك، والله لا تدخل المدينة أبداً حتى تقول: إنَّ رسول الله هو الأعزُّ، وأنا الأذل فقالها، ثم جاء إِلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فإِن كنت فاعلاً فمرني فأنا أحمل إِليك رأسه!! فقال له رسول الله صلى الله عليه
موسوعة الأسرة المسلمة · الصفحة ٦٢٣٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
موسوعة الأسرة المسلمةص ٦٢٣٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي