* ثم تناولت أحكام "صلاة الجمعة" فدعت المؤمنين إِلى المسارعة لأداء الصلاة، وحرمت عليهم البيع وقت الأذان ووقت النداء لها، وختمت بالتحذير من الانشغال عن الصلاة بالتجارة واللهو كحال المنافقين، الذين إذا قاموا إِلى الصلاة قاموا كسالى متثاقلين.
بعثة خاتم الرسل والرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم
﴿يُسبّح لله ما في السّماوات وما في الأرض الملِك القُدوس العزيز الحكيم (1) هو الذي بعثَ في الأُمِّيِّين رسولاً مِّنهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكّيهم ويعلِّمهم الكتابَ والحكمة وإِن كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين (2) وآخرين منهم لمَّا يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضلُ اللهِ يؤْتيه من يشاء واللهُ ذو الفضل العظيم (4)﴾.
﴿يُسبّح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ أي ينزِّه الله ويمجده ويقدِّسه كلُّ شيء في الكون من إنسانٍ، وحيوان، ونبات، وجماد، وصيغةُ المضارع ﴿يُسبحُ﴾ لإِفادة التجدد والاستمرار، فهو تسبيحٌ دائم على الدوام ﴿الملِك﴾ أي هو الإِله المالك لكل شيء، المتصرف في خلقه بالإِيجاد والإِعدام ﴿القُدوس﴾ أي المقدَّس والمنزَّه عن النقائص، المتصف بصفات الكمال ﴿العزيز الحكيم﴾ أي العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه ﴿هو الذي بعثَ في الأُميّين رسولاً منهم﴾ أي هو جل وعلا برحمته وحكمته الذي بعث في العرب رسولاً من جملتهم، أمياً مثلهم لا يقرأ ولا يكتب قال المفسرون: سُمي العرب أميّين لأنهم لا يقرأون ولا يكتبون، فقد اشتهرت فيهم الأمية كما قال عليه الصلاة والسلام (نحن أمةٌ أمية، لا نكتب ولا نحسب) الحديث والحكمةُ في اقتصاره على ذكر الأميين، مع أنه رسولٌ إِلى كافة الخلق، تشريفُ العرب حيث أُضيف صلوات الله عليه إِليهم، وكفى بذلك شرفاً للعرب ﴿يتلوا عليهم ءاياته﴾ أي يقرأ عليهم ءايات القرآن ﴿ويزكّيهم﴾ أي ويطهرهم من دنس الكفر والذنوب قال ابن عباس: أي يجعلهم أزكياء القلوب بالإِيمان ﴿ويعلّمهم الكتابَ والحكمة﴾ أي ويعلمهم ما يتلى من الآيات والسنة النبوية المطهرة ﴿وإِنْ كانوا من قبلُ لفي ضلالٍ مبين﴾ أي وإِنَّ الحال والشأن أنهم كانوا من قبل إِرسال محمد صلى الله عليه وسلم إِليهم لفي ضلالٍ واضح، عن النهج القويم، والصراط المستقيم قال ابن كثير: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم على حين فترةٍ من الرسل، وطموسٍ من السُّبُل، وقد اشتدت الحاجة إِليه، فقد كان العرب متمسكين بدين إِبراهيم الخليل فبدلوه وغيَّروه، واستبدلوا بالتوحيد شركاً، وباليقين شكاً، وابتدعوا أشياء لم يأذن بها اللهُ، وكذلك كان أهل الكتاب قد بدَّلوا كتبهم وحرفوها، فبعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم بشرع عظيم، شامل كامل، فيه الهداية والبيان لكل ما يحتاج الناس إِليه من أمر معاشهم ومعادهم، وجمع له تعالى جميع المحاسن، وأعطاه ما لم يعط أحداً من الأولين والآخرين ﴿وآخرين منهم لمَّا يلحقوا بهم﴾ أي وبعث الرسول إِلى قومٍ آخرين، لم يكونوا في زمانهم وسيجيئون بعدهم، وهم جميع من أسلم إِلى يوم القيامة قال الصاوي: والمعنى أنه بعث إِلى المؤمنين الموجودين في زمانه، وإِلى الآتين منهم بعدهم، فليست رسالته خاصة بمن كان موجوداً في زمانه، بل هي عامة لهم ولغيرهم إِلى يوم القيامة، وفي الحديث عن أبي هريرة قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة ﴿وآخرين منهم لمَّا يلحقوا بهم﴾ قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: وفينا