﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وبشِّر يا محمد المؤمنين، بهذا الفضل المبين، قال أبو حيّان: لما ذكر تعالى ما يمنحهم من الثواب في الآخرة، ذكر لهم ما يسرُّهم في العاجلة، وهي ما يفتح الله عليهم من البلاد، فهذه هي خير الدنيا موصولٌ بنعيم الآخرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ﴾ أي انصروا دين الله وأعلوا مناره ﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ أي كما نصر الحواريون دين الله حين قال لهم عيسى بن مريم ﴿مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي من ينصرني ويكون عوني لتبليغ دعوة الله، ونصرة دينه؟ ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾ أي قال أتباع عيسى - وهم المؤمنون الخُلَّص من خاصته المستجيبون لدعوته - نحن أنصار دين الله، قال البيضاوي: والحواريون أصفياؤه وهم أول من آمن به، مشتقٌّ من الحور وهو البياض، وكانوا اثني عشر رجلاً، وقال الرازي: والتشبيه في الآية محمول على المعنى أي كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار الله ﴿فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ أي فانقسم بنو إِسرائيل إِلى جماعتين: جماعةٌ آمنت به وصدَّقته، وجماعةٌ كفرت وكذبت برسالة عيسى ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أي فقوينا المؤمنين على أعدائهم الكافرين ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ أي حتى صاروا غالبين عليهم بالحجة والبرهان، قال ابن كثير: لما بلَّغ عيسى بن مريم رسالة ربه، اهتدت طائفة من بني إِسرائيل بما جاءهم به، وضلَّت طائفة فجحدوا نبوته، ورموه وأُمه بالعظائم، وهم اليهود عليهم لعنة الله، وغلت فيه طائفةٌ من أتباعه حتى رفعوه فوق ما أعطاه الله من النبوة، وافترقوا فيه فرقاً وشيعاً، فمنهم من زعم أنه ابنُ الله، ومنهم من قال إِنه ثالث ثلاثة "الأب والابن وروح القدس" ومنهم من قال: إِنه اللهُ - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - فنصر الله المؤمنين على من عاداهم من فرق النصارى.
=================
62 - سورة الجمعة
بعثة خاتم الرسل والرحمة المهداة صلى الله عليه وسلم
عدم استجابة اليهود لأوامر التوراة
فريضة صلاة الجمعة
بَين يَدَيْ السُّورَة
* هذه السورة الكريمة مدنية وهي تتناول جانب التشريع، والمحور الذي تدور عليه السورة بيانُ أحكام "صلاة الجمعة" التي فرضها الله على المؤمنين.
* تناولت السورة الكريمة بعثة خاتم الرسل محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وبيَّنت أنه الرحمة المهداة، أنقذ الله به العرب من ظلام الشرك والضلال، وأكرم به الإِنسانية، فكانت رسالته بلسماً لأمراض المجتمع البشري، بعد أن كان يتخبط في الظلام.
* ثم تحدثت السورة عن اليهود، وانحرافهم عن شريعة الله، حيث كُلِّفوا بالعمل بأحكام التوراة، ولكنهم أعرضوا عنها ونبذوها وراء ظهورهم، وضربت مثلاً لهم بالحمار، الذي يحمل على ظهره الكتب الكبيرة النافعة، ولكنه لا يناله منها إِلا العناء والتعب، وذلك نهاية الشقاء والتعاسة.