وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (13) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)}.
سبب النزول:
نزول الآية (10):
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ .. ﴾: أخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: قالوا: لو كنا نعلم أي الأعمال أحب إلى الله وأفضل؟ فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ .. ﴾ الآية، فكرهوا الجهاد، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾.
نزول الآية (11):
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .. ﴾: أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال المسلمون: لو علمنا ما هذه التجارة، لأعطينا فيها الأموال والأهلين، فنزلت: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ﴾ أي يا من صدقتم الله ورسوله وآمنتم بربكم حقَّ الإِيمان، هل أدلكم على تجارة رابحة جليلة الشأن؟ والاستفهام للتشويق ﴿تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي تخلِّصكم وتنقذكم من عذاب شديد مؤلم .. ثم بيَّن تلك التجارة ووضحها فقال ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إِيماناً صادقاً، لا يشوبه شكٌ ولا نفاق ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ أي وتجاهدون أعداء الدين بالمال والنفس، لإِعلاء كلمة الله، قال المفسرون: جعل الإِيمان والجهاد في سبيله "تجارة" تشبيهاً لهما بالتجارة، فإنها عبارة عن مبادلة شيء بشيء، طمعاً في الربح ومن آمن وجاهد بماله ونفسه فقد بذل ما عنده وما في وسعه، لنيل ما عند ربه من جزيل ثوابه، والنجاة من أليم عقابه، فشبَّه هذا الثواب والنجاة من العذاب بالتجارة لقوله تعالى ﴿إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة﴾ قال الإِمام الفخر الرازي: والجهاد ثلاثةُ أنواع:
1 - جهادٌ فيما بينه وبين نفسه، وهو قهرُ النفس ومنعُها عن اللذات والشهوات.
2 - وجهادٌ فيما بينه وبين الخلق، وهو أن يدع الطمع منهم ويشفق عليهم ويرحمهم.
3 - وجهادُ أعداء الله بالنفس والمال نصرةً لدين الله ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي ما أمرتكم به من الإِيمان والجهاد في سبيل الله، خيرٌ لكم من كل شيء في هذه الحياة، إن كان عندكم فهم وعلم ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ هذا جواب الجملة الخبرية ﴿تؤمنون بالله ورسوله﴾ لأن معناها معنى الأمر أي آمنوا بالله وجاهدوا في سبيله فإِذا فعلتم ذلك يغفر لكم ذنوبكم أي يسترها عليكم، ويمحها بفضله عنكم ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ أي ويدخلكم حدائق وبساتين، تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي ويسكنكم في قصور رفيعة في جنات الإِقامة ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي ذلك الجزاء المذكور هو الفوز العظيم الذي لا فوز وراءه، والسعادة الدائمة الكبيرة التي لا سعادة بعدها ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ أ ي ويمنُّ عليكم بخصلةٍ أُخرى تحبونها وهي ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ أي أن ينصركم على أعدائكم، ويفتح لكم مكة، وقال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم