ويبسطوا إِليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودُّوا لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يومَ القيامة يفْصل بينكم واللهُ بما تعملون بصير (3)}
سبب النزول:
نزول الآية (1):
﴿يا أيها الذين آمنوا .. ﴾: أخرج الشيخان وبقية الأئمة عن علي رضي الله عنه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود، فقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة، معها كتاب، فخذوه منها، فأتوني به، فخرجوا حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب، أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عِقَاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو من حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى ناس من المشركين بمكة، يخبرهم ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا يا حاطب؟ قال: لا تعجل علي يا رسول الله، إني كنت امرءاً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات، يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة، فأحببت إذ فاتني ذلك من نسب فيهم أن أتخذ يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صدق.
وفيه أنزلت هذه السورة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، تلقون إليها بالمودة﴾ الآية.
وتفصيل القصة والكتاب: "أن مولاة أبي عمر بن صيفي بن هاشم يقال لها: سارَّة، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وهو متجهز لفتح مكة سنة ثمان من الهجرة، فعرضت حاجتها، فحث بني المطلب على الإحسان إليها، فأتاها حاطب بن أبي بَلْتعة، وأعطاها عشرة دنانير، وكساها بُرْداً، واستحملها كتاباً إلى أهل مكة.
﴿يا أيها الَّذين آمنوا لا تتَّخذوا عدُوي وعدوَّكم أولياء﴾ أي يا معشر المؤمنين، يا من صدقتم بالله ورسوله، لا تتخذوا الكفار الذين هم أعدائي وأعداؤكم أصدقاء وأحباء، فإِنَّ من علامة الإِيمان بغض أعداء الله لا مودتهم وصداقتهم قال ابن جزي: نزلت عتاباً لحاطب وزجراً عن أن يفعل أحد مثل فعله، وفيها مع ذلك تشريفٌ له لأن الله شهد له بالإِيمان في قوله ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ ﴿تُلقون إِليهم بالمودَّة﴾ أي تحبونهم وتودونهم وتصادقونهم مع أنهم أعداء ألداء لكم قال القرطبي: أي تخبرونهم بسرائر المسلمين وتنصحون لهم ﴿وقد كفروا بما جاءكم من الحقِّ﴾ أي والحال أنهم كافرون بدينكم وبقرآنكم الذي أنزله الله عليكم بالحق الواضح ﴿يُخرجون الرَّسول وإِياكم﴾ أي يخرجون محمداً من مكة ظلماً وعدواناً كما يخرجون أيضاً منها المؤمنين قال أبو حيّان: وقدَّم الرسول تشريفاً له ولأنه الأصلُ للمؤمنين، ومعنى إِخراجهم أنهم ضيقوا عليهم وآذوهم حتى خرجوا منها مهاجرين إِلى المدينة ﴿أنْ تُؤمنوا بالله ربكم﴾ أي من أجل أنكم آمنتم بالله الواحد الأحد كقوله ﴿وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾ ﴿إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي﴾ شرطٌ حذف جوابه أي إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيل الله طلباً لرضوانه فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء قال الألوسي: وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه ما تقدم كأنه قيل: لا تتخذوا